logo


آخر 10 مشاركات
الموضوع الكاتـب آخر مشاركة
سجــل حضورٍك . ببيـت شعــر أوٍ حكمه

الموضوع الكاتـب آخر مشاركة
كل ما دخلت المنتدى شرفنا هنا

الموضوع الكاتـب آخر مشاركة
لعبة فيها الأجر بإذن الله

الموضوع الكاتـب آخر مشاركة
قصيدة و قصة الفارس صالح الملحم من العبيات من قبيلة مطير مع زعيم الاتراك بالاحساء

الموضوع الكاتـب آخر مشاركة
الشاعر /محمد مطير المشرافي

الموضوع الكاتـب آخر مشاركة
هنا مدرسة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم

الموضوع الكاتـب آخر مشاركة
الشيخ صالح الحمد الملحم يرحمة الله الذي قتل الزعيم التركي الذي كان والياً على الأحساء

الموضوع الكاتـب آخر مشاركة
Buy Apple iPhone 7 New 32GB Unlocked $300

الموضوع الكاتـب آخر مشاركة
أقرب شاعر محاوراه

الموضوع الكاتـب آخر مشاركة
السلام عليكم ورحمة الله ويسعد الله أيامكم بالخير والمسرات يسعدني الانضمام اليكم

العودة   منتديات الهجال الرسمية > المجلــس العـــام > ركن المواضيع العامة
التسجيل المنتديات موضوع جديد التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

ركن المواضيع العامة منتدى الهجال العام + مقالات فكريةاجتماعية ثقافية + نقاش جاد + مشاكل وحلول افكار هادفة + مواضع منقوله + مواضع نقاشية + نقاشات عامة + مواضيع عامة +امور شاملة + حوار بناء شامل + منوعات افكار + مواضيع ساخنة

 
أدوات الموضوع
قديم 08-02-2011, 06:07 PM   رقم المشاركة : [1]
عضو مبدع
الصورة الرمزية ياسر الحصيني
 
الملف الشخصى:
رقم العضوية : 2531
تاريخ التسجيل : Jul 2011
الدولة :
عدد النقاط : 62
قوة الترشيح : ياسر الحصيني will become famous soon enough
الاحصائيات:
عدد المشاركات : 316
الحالة : ياسر الحصيني غير متواجد حالياً

                مجموع الاوسمة:

 

Icon17 توبه نصوحه !!!!

بسم الله الرحمن الرحيم
{ ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم }
*مقدمة ..
إن الحمد لله نستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا , من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا , ونصلي ونسلم على خير البرية سيدنا محمد بن عبد الله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته وعلى آله وصحبه وسلم . أما بعد .....
يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم :" كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون " .. والذنب يا إخواني وأخواتي في الله مهما كان صغيرا فهو ذنب يشعر صاحبه بالألم .. وهذا الألم تتفاوت درجاته بحسب درجات الإيمن في كل منا وذلك لأن الإيمان يزيد وينقص .. ولكن لا شك أن الإنسان كلما زاد إيمانه بالله زاد ألمه إذا أخطأ لأنه يكون أكثر إحساساً , وكلما كان أكثر إقبالاً على التوبة . يقول الله عز وجل :" وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم " حتى ينبهنا أن الإنسان قد يفعل ذنباً دون ان يدري أنه وقع فيه لاعتقاده الخاطئ أنه شئ عادي أو أنه على صواب والسبب في ذلك ؛ أن لكلٍ منا خبرة وعقل وتجارب تختلف عن الآخر وعليه تكون درجة استشعاره للذنب . يقول البمولى عز وجل مادحاً عباده المؤمنين :
{ والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذطروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون } آل عمران :135
ومن حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم يتبين لنا أننا لسنا معصومون من الخطأ مهما حرصنا ومهما كانت درجة إيماننا , ولو نجحنا بفضل الله ورحمته من تجنب الكبائر , فإن الصغائر واقعين فيها لا محالة . يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم :" والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا , لذهب الله تعالى بكم , ولجاء بقومٍ يذنبون فيستغفرون اللله تعالى فيغفر لهم " رواه مسلم ( 2749 ) . ويقول الله عز وجل في صفات المتقين :{ الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى } . (النّجم :32 )
*شرح الآية :-
أي أن الذين يبتعدون عن كبائر الذنوب كالشرك والقتل وأكل مال اليتيم , و(الفواحش) أي ويبتعدون عن عن الفواحش وهي جمع فاحشة وهي ما تناهى قبحها عقلاً وشرعاً كالزنى ونكاح زوجة الأب لقوله تعالى " ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة " , وقوله تعالى :" ولا تنكحوا ما نكح آبائكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ً ومقتاً وساء سبيلاً " , إلا ( اللمم ) ً أي : إلا ما قل وصغر كالقبلة والغمزة والنظرة وفي الحديث " إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى , أدرك ذلك لا محالة , فزنى العينين النظر , وزنى اللسان النطق , والنفس تتمنى وتشتهي ,والفرج يصدق ذلك أو يكذبه " . فإذا احتنب الغب كبائر الذنوب غفر الله له بفضله وكرمه الصغائر لقوله تعالى :{ هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى } النجم : 32 .
{ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم } يعني الصغائر , قال الخازن : روي عن عمر وابن عباس رضي الله عنهما أنهما قالا : لا كبيرة في الإسلام ومعناه لا كبيرة مع استغفار , ولا صغيرة مع إصرار , فالكبيرة تمحى بالاستغفار والتوبة , والصغيرة تصير كبيرة بالاصرار عليها .
وقبل أن ندخل في موضوع التوبة إخواني الكرام هناك نقطة هامة لم أحب أن نمر عليها مرور الكرام ... ألا وهي لماذا نعصي الله عز وجل رغم أننا بلا شك نحبه ونعبده ؟!!
يرجع ذلك لسببين هامين :-
الأول :- هناك خطأ في معنى العمل الصالح الذي يترتب عليه توبة التائبين وخلاص الإنسان من الخسران في الدنيا والآخرة :-
يقول الإمام الشعراوي رحمه الله :" الناس يظنون أن العمل الصالح هو أن تصلي وتصوم .. لكن الله عز وجل قال في المنهج الأساسي :-{ هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها } . ومعنى " استعمركم فيها " أي:
طلب منكم يا بني آدم أن تعمروها , وما دام قد طلب منكم أن تعمروها فقد نفى قضية هي من باب أولى , وهي ألا تعمد إلى الصالح في ذاته فتفسده ؛ لأن الله تعالى طلب منا أن نعمر الأرض , ونوجه طاقة الإيمان للترقي فيما يصلح المجتمع كلّه .
فمثلاً : إذا وجدت نبعاً يشرب منه النّاس , فلا تفسد هذا النّبع أو تطمره بالتراب , هذا إذا لم تستطع أن تفكر بعقلك تفكيراً يريح النّاس من أن يتعبوا في نقل الماء من ذلك النبع , وأن تصنع خزّاناً عالياً ترفع إليه الماء وبعد ذلك تأتي عملية الاستطراق وتذهب المياه إلى النّاس في بيوتهم عن طريق الأنابيب .. إذا صنعت ذلك تكون قد أصلحت بحق .. وعمّرت الأرض بحق .. إذاً فمعنى "استعمركم فيها" يظهر في قضيتين :-
(1) سلب الشر منك عن الشئ الصالح لذاته .
(2) إيجاب الخير عليك في أن ترقى صلاح الأمر الصالح . وهذا هو
العمل الصالح .. لأن الفرائض فرائض لا خيار لأي أحد في تركها .
ثانياً :هذا بسبب شئ اسمه ( الغفلة ):-
فرسول الله صلى الله عليه وسلم روي عنه ما معناه أن الشيطان جاثم على قلب ابن آدم , يترصد له منتظراً غفلته حتى يوسوس له بالذنب فيفعله وحينئذٍ ينكت في قلبه نكته سوداء
( أي ينقط فيه ) .
حديث آخر : قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عوداً عودا فأي قلب أشربها ( أي دخلت فيه دخولا تاما , وجلّت منه محل الشراب ) نكت فيه نكتة سوداء , وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء , حتى تعود القلوب على قلبين : قلب أسود مرباداً ( الربدة : شئ من بياض يخالطه سواد ) كالكوز مجخياً ( المنكوس المائل ) لا يغرف معروفا ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه , وقلب أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض " متفق عليه .
* * * *
*التوبة .. بين التمني .. والتطبيق .
غفلنــا ... أذنبنــا ... تألمنـــا ( فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) , أعلم أن الآية الكريمة خاصة بيوم القيامة , ولكن هذا حال التائب فعلا عندما يفيق وكأنه كان غافلا ثم كشف الله عنه عماه مرفع عنه غمته .
إذن ماذا ننتـظر لنتوب ؟ ! .. هيا نتمنى التوبة ولنكثر جميعاً من التوبة والاستغفار , وليعلم التائب المبتدئ أنه لابد من تغيير البيئة بعد التوبة , فرفاق السوء لا يصلحون له بع توبته وقد أوصى العالم قاتل المائة نفس بتغيير البيئة , وكان هذا سبباً في نجاته عندما تقاسمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب .
*هيا نتوب ( التطبيق العملي ) :-
أولا:- أقوال العلماء في التوبة :-
*يقول العلماء ( ورثة الأنبياء ) أن التوبة عند تنفيذها لها عدة شروط :-
( 1) الإخلاص : بمعنى أن تكون التوبة خالصة لوجه الله سبحانه وتعالى , ولا يكون الباعث عليها إلا محبة الله تعالى والطمع في رضوانه , والخوف من عقوبته , فإن كان الباعث عليها عرضاً زائلاً من الدنيا أو طمعاً في جاه أو تزلفاً لأحد من المخلوقين أو خوفاً منهم , فليست بتوبة خالصة لله تعالى .( وكل زارع سيحصد ما زرع )
(2) الإقلاع عن الذنب الذي يعمله فوراً دون تردد أو خجل من أحد أو مجاملة ً له .
(3) أن يندم على ما فات من الذنوب والآفات , وأن ينيب إلى الله تعالى وينكسر بين يديه .
(4) أن يعزم على ألا يعود إلى ذاك الذنب مرة أخرى , وهذا الشرط هو ثمرة التوبة ودليل صدق التـائب .
(5) إن كان الذنب متعلقاً بشخص آخر , فعيه أن يستحل ذلك منه , فإن كان مالاً رده إليه , وإن كان شيئاً مستهلكاً عوضه بمثله , وإن كان غيبة استحلها منه , إلا إذا ترتب على هذا الاستحلال مضرة أكبر, كأن يقاطعه أو يهجره أو يعاديه فإنه يستغفر له بظهر الغيب ويدعوا له .
(6) أن تكون التوبة في الوقت المفتوح , وذلك قبل غلق بابها , ويتم ذلك الغلق للتوبة في وقتين اثنين :-
أولا : في حالة الاحتضار كما قال الله تعالى :{ وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذاباً أليما ً } النساء : 18 , وكما قال
المصطفى صلى الله عليه وسلم :" إن الله يقبل توبة العبد مالم يغرغر " أي : ما لم تصل الروح الحلقوم .
رواه الترمذي .
ثانياً : في حالة خروج الشس من مغربها : كما قال عليه الصلاة والسلام :" إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسئ الليل , حتى تـطلع الشمس من مغربها " رواه مسلم
أخي الكريم .. بادر بالتوبة قبل فوات الأوان , لأن تأخير التوبة يحتاج إلى توبة .
* حكم التوبة :-
التوبة عقب الذنب واجبة على الفور , لا يجوز تأخيرها ولا تسويفها وذلك عملا بقوله تعالى : { إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليماً حكيما ً }
النساء :17 , ومعناه عن قرب عهد بالخطيئة , بأن يندم عليها ويمحوا أثرها بحسنة قبل أن يتراكم الـرّان على قلبه فلا يقبل المحو , ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم :" اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلقٍ حسن " كما قال صلى الله عليه وسلم :" التائب من الذنب كمن لا ذنب له , والمستغفر من الذنب وهو مصر عليه كالمستهزئ بربه "
* وقال لقمان لا بنه وهو يعظه :-
يا بني لا تؤخر التوبة , فإن الموت يأتي بغتة , ومن ترك المبادرة إلى التوبة بالتسويف كان بين خطرين عظيمين :-
الأول : أن تتراكم الظلمة على قلبه من المعاصي حتى يصير ريناً وطبعاً فلا يقبل المحو .
الثاني : أن يعاجله المرض أو الموت فلا يجد مهلة للاشتغال بالمحو , ولذلك قيل أن أكثر صياح أهل النار
( واحسرتاه من سوف ) .
* فيا أيها المذنب .. بادر الموت واستبق الخيرات , واغتنم حياتك قبل موتك , فإن الموت يأتي بغتة كما قال
تعالى :{ وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرضٍ تموت } لقمان : 34
* دليل وجوبها :-
تظاهرت دلائل الكتاب , والسنة , وإجماع الأمة على وجوب التوبة .
أولا :- من القرآن الكريم :-
قال تعالى :{ وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } (النور:31) و{قوله تعالى :{ استغفروا ربكم ثم توبوا إليه } (هود:3)
وقوله تعالى :{ ياأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبةً نصوحاً}
(التحريم :8) .
وقول الله تعالى :- { ونفسٍ وما سواها فألهما فجورها وتقواها . قد افلح من زكّاها وقد خاب من دساها } الشمس:7 -9 . في هذه الآيات يقسم الله عز وجل بالنفس البشرية وهو الذي أنشأها وأبدعها وجعلها مستعدة لكمالها وذلك بتعديل أعضائها وقواها الظاهرة والباطنة , ومن تمام تسويتها أن وهبها العقل الذي تميز به بين الخير والشر والتقوى والفجور ولهذا قال تعالى :{ فألهمها فجورها وتقواها } أي : وعرّفها الفجور والتقوى وما تميز به بين رشدها وضلالها .
قال بن عباس : بيّن لها الخير والشر والطاعة والمعصية وعرّفها ما تأتي به وما تتقي .
وقال المفسرون :- أسم سبحانه بسبعة أشياء " الشمس ولقمر والليل والنهار والسماء والأرض والنفس البشرية " إظهاراً لعظمة قدرته وانفراده بالألوهية وإشارة إلى كثرة مصالح تلك الأشياء وعظم نفعها لأنها لابد لها من صانع ومدبر لحركاتها وسكناتها .
وقال الإمام الفخر الرازي :- { قد افلح من زكّاها } هذا هو جواب قسم الله عز وجل أي: لقد فاز وأفلح من زكّى نفسه بطاعة الله , وطهرها من دنس المعاصي والآثام . {وقد خاب من دسّاها } أي: وقد خسر وخاب من حقّر نفسه بالكفر والمعاصي , وأوردها موارد الهلكة , فإن من طاوع هواه وعصى أمر مولاه فقد نقص من عداد العقلاء والتحق بالجهلة والأغبياء ..
• الـنّــفْس ... العدو الحقيقي :-
إن كان الله عز وجل يقول : { إن كيد الشيطان كان ضعيفا} , فإنه جل شانه يقول :{ ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } (ق: 16) .
إذن فالإنسان دائماً وأبدا محاصر بين عدوين : أحدهما ضعيف وهو الشيطان الذي يوسوس له , والثاني : قوي وهي نفسه المارة بالسوء بل وهي العدو الحقيقي له .
نعم إن النفس هي القنبلة الموقوتة , واللغم الموجود داخل الإنسان , يقول المولى عز وجل :ر اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً } (الإسراء :14) ,كما يقول : { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب } , وقال تعالى :{ كل نفسٍ بما كسبت رهينة }( المدثر :38) , { وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى } (النازعات : 40) , و { علمت نفس ما أحضرت } (التكوير:14). سؤال .. هل النفس – العدو الحقيقي للإنسان – هي نَفَسُه الذي يأخذه شهيقاً وزفيراً أم ماذا ؟ .
الجواب في قوله تعالى :{ أفرءيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علمٍ وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة َ فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون } (الجاثية : 23)
إذا النفس هي الهوى أو الضلال الذي يتبعه الإنسان , ومعنى ذلك أن هوى النفس إذا تمكن من الإنسان فإنه لا يصغي لشرع ولا لوازع ديني ولا لآمر ولا لناهي ولا لداعية ولا لعالم ولا لشيخ , لذلك نجده يفعل ما يريد حتى وصل إلى حد القتل مثلما حدث مع قتل قابيل لأخيه هابيل ويحكي ذلك القرآن الكريم قال تعالى :{ فطوّعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين } ( المائدة : 30 ) , وهذا الضلال هو ما جعل امرأة العزيز أن تغوي سيدنا يوسف ذو النفس العفيفة الطاهرة وقد حكى القرىن عنها ذلك قال تعالى :{ وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء } ( يوسف : 53 ) .
ولكنك عندما تسأل إنساناً وقع في معصيةٍ ما .. وبعد ذلك ندم وتاب , ما الذي دعاك لفعل ذلك الفعل يقول : أغواني الشيطان , وهنا يلح علينا السؤال .. يا ترى الشيطان عندما عصى الله عز وجل , من كان شيطانه ؟!!
ثانياً : من السنة الشريفة :-
شرح أحاديث التوبة..
الحديث الأول
عن ابن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال‏:‏ ‏"‏لله أشد فرحاً بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دَوِّيةٍ مهلكة، معه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فنام فاستيقظ وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال‏:‏ أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه، فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ وعنده راحلته، عليها زاده وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحــاً بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته‏"‏‏. البخاري كتاب الدعوات باب التوبة. ومسلم كتاب التوبة .باب في الحض على التوبة والفرح بها.
* شرح الحديث :
هذا الحديث يوضح لنا فرح الله سبحانه وتعالى بتوبة عبده العاصي من خلال مثَل من أمثلة النبوة يحكي قصة رجلٍ نزل منزلاً موحشاً، وليس معه من وسائل الحياة إلا دابته عليها طعامه وشرابه، فهي كل ما يربطه بالحياة ويعطيه الأمل في قطع هذا المكان الموحش، ثم نزل الرجل يقيل لحظاتٍ بعد أن رحلة شاقة، وعناءُ سفر، فنام نومة ثم استيقظ على الفزع الذي هزه وأخافه، لقد فقد راحلته، فانطلق المسكين مروَّعًا يعدو في كل اتجاه على غير هدى، بحثاً عن راحلته الضائعة، حتى كلّت قدماه، وأنهكه التعب، وبلغ به الحر والعطش مبلغاً، فجرجر أقدامه إلى المكان الذي كان ينام فيه، فنام نومة مكسورة *****ان محترقة الأنفاس وهو في انتظار الموت، ثم تقلب ورفع رأسه فإذا راحلتُه عنده .. فكيف سيكون فرح ذلك الرجل براحلته .. يُبين لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أشد فرحاً بتوبة العبد من ذلك الرجل براحلته الذي أخطأ من شدة فرحه فقال (اللهم أنت عبدي وأنا ربك) ..
والحقيقة أن هذا الحديث العظيم يعتبر دعوة إلى رحاب الله الكريم، دعوة تفيض بالحب والحنان لكل مذنب خطّاء يعلم أن له رباً يغفر الذنوب ولا يبالى، وأن باب توبته مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها، قال تعالى : "يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم" سورة الزمر آية 53.
ويسوق ابن القيم رحمه الله في هذا السياق وهو يشرح هذا الحديث في مدارج السالكين حيث قال : " وهذا موضع الحكاية المشهورة عن بعض العارفين أنه رأى في بعض السكك باب قد فتح وخرج منه صبي يستغيث ويبكي، وأمه خلفه تطرده حتى خرج، فأغلقت الباب في وجهه ودخلت فذهب الصبي غير بعيد ثم وقف متفكرا، فلم يجد له مأوى غير البيت الذي أخرج منه، ولا من يؤويه غير والدته، فرجع مكسور القلب حزينا، فوجد الباب مرتجا فتوسده ووضع خده على عتبة الباب ونام، وخرجت أمه، فلما رأته على تلك الحال لم تملك أن رمت نفسها عليه، والتزمته تقبله وتبكي وتقول : يا ولدي، أين تذهب عني ؟ ومن يؤويك سواي ؟ ألم اقل لك لا تخالفني، ولا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جبلتُ عليه من الرحمة بك والشفقة عليك. وإرادتي الخير لك ؟ ثم أخذته ودخلت.
الحديث الثاني
عن الأغرِّ المزني رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم‏:‏ ‏"‏ يا أيها الناس توبوا إلى ربكم، فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة
مرَّة‏"‏‏.‏ أخرجه البخاري في صحيحه.
* شرح الحديث :
يحث النبي صلى الله عليه وسلم الناس على التوبة إلى ربهم سبحانه وتعالى ، ويقول فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة وفي رواية سبعين مرة ، فإذا كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يستغفر الله عز وجل في اليوم هذا العدد كله ، بل ورده عنه أيضا أنه قال في المجلس الواحد سبعين مرة ، فكيف هو حال من هو دون منزلة النبي صلى الله عليه وسلم ، بل كيف هو حال المقصرين المذنبين من أمثالنا ، فحق لنا أن نكثر من التوبة إلى الله عز وجل في جميع أحوالنا إقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
قال ابن حجر في فتح الباري وهو يشرح هذا الحديث:
أخرج النسائي أيضا من رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة بلفظ ‏"‏ إني لاستغفر الله وأتوب إليه كل يوم مائة مرة ‏"‏ واخرج النسائي أيضا من طريق عطاء عن أبي هريرة ‏"‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع الناس فقال‏:‏ يا أيها الناس توبوا إلى الله، فاني أتوب إليه في اليوم مائة مرة ‏"‏ وله في حديث الأغر المزني رفعه مثله، وهو عنده وعند مسلم بلفظ ‏"‏ إنه ليغان على قلبي واني لاستغفر الله كل يوم مائة مرة ‏"‏ قال عياض‏:‏ المراد بالغين فترات عن الذكر الذي شانه أن يداوم عليه، فإذا فتر عنه لأمر ما عد ذلك ذنبا فاستغفر عنه‏.‏
وقيل هو شيء يعتري القلب مما يقع من حديث النفس، وقيل هو السكينة التي تغشى قلبه والاستغفار لإظهار العبودية لله والشكر لما أولاه، وقيل هي حالة خشية وإعظام والاستغفار شكرها، ومن ثم قال المحاسبي‏:‏ خوف المتقربين خوف إجلال وإعظام‏.‏
وقال الشيخ شهاب الدين السهروردي‏:‏ لا يعتقد أن الغين في حالة نقص، بل هو كمال أو تتمة كمال‏.‏
ثم مثل ذلك بجفن العين حين يسبل ليدفع القذى عن العين مثلا فانه يمنع العين من الرؤية، فهو من هذه الحيثية نقص، وفي الحقيقة هو كمال‏.‏
هذا محصل كلامه بعبارة طويلة، قال‏:‏ فهكذا بصيرة النبي صلى الله عليه وسلم متعرضة للاغيرة الثائرة من أنفاس الأغيار فدعت الحاجة إلى الستر على حدقة بصيرته صيانة لها ووقاية عن ذلك انتهى‏.‏
وقد استشكل وقوع الاستغفار من النبي صلى الله عليه وسلم وهو معصوم، والاستغفار يستدعي وقوع معصية‏.‏
ومحصل جوابه أن الاستغفار من التقصير في أداء الحق الذي يجب لله تعالى، ويحتمل أن يكون لاشتغاله بالأمور المباحة من أكل أو شرب أو جماع أو نوم أو راحة، أو لمخاطبة الناس والنظر في مصالحهم، ومحاربة عدوهم تارة ومداراته أخرى، وتأليف المؤلفة وغير ذلك مما يحجبه عن الاشتغال بذكر الله والتضرع إليه ومشاهدته ومراقبته، فيرى ذلك ذنبا بالنسبة إلى المقام العلى وهو الحضور في حظيرة القدس‏.‏
ومنها أن استغفاره تشريع لامته، أو من ذنوب الأمة فهو كالشفاعة لهم‏.‏
وقال الغزالي في ‏"‏ الإحياء ‏"‏ كان صلى الله عليه وسلم دائم الترقي، فإذا ارتقى إلى حال رأى ما قبلها دونها فاستغفر من الحالة السابقة، وهذا مفرع على أن العدد المذكور في استغفاره كان مفرقا بحسب تعدد الأحوال، وظاهر ألفاظ الحديث يخالف ذلك‏.‏
وقال الشيخ السهروردي‏:‏ لما كان روح النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل في الترقي إلى مقامات القرب يستتبع القلب، والقلب يستتبع النفس، ولا ريب أن حركة الروح والقلب أسرع من نهضة النفس فكانت خطا النفس تقصر عن مداهما في العروج، فاقتضت الحكمة إبطاء حركة القلب لئلا تنقطع علاقة النفس عنه فيبقى العباد محرومين، فكان صلى الله عليه وسلم يفزع إلى الاستغفار لقصور النفس عن شاو ترقي القلب، والله اعلم‏.‏ فتح الباري شرح صحيح البخاري.
الحديث الثالث
قال صلى الله عليه وآله وسلم قال ‏:‏ ‏"‏ إن الله يقبل توبة العبد ما لم
يغرغر‏"‏ رواه أحمد (2/153) والترمذي (3537) ، وابن ماجة (4253).
* شرح الحديث :
يقول السندي رحمه الله :
‏قوله (توبة) : ‏
‏معناه أنه معظمها ومستلزم لبقية أجزائها عادة فإن النادم ينقلع من الذنب في الحال عادة ويعزم على عدم العود إليه في الاستقبال وبهذا القدر تتم التوبة إلا في الفرائض التي يجب قضاؤها فتحتاج التوبة فيها إلى القضاء وإلا في حقوق العباد فتحتاج فيها إلى الاستحلال أي الرد والندم يعني على كل ذلك كما لا يخفى وفي الزوائد قلت وقع عند ابن ماجه عبد الله بن عمر بن الخطاب قاله المنذري وقال بعد ذلك أي كما رواه الترمذي وابن ماجه في صحيحه والحاكم في المستدرك ‏
‏قوله (ما لم يغرغر) ‏:
‏أي ما لم تبلغ روحه حلقومه فيكون بمنزلة القيء يتغرغر به المريض والغرغرة أن يجعل المشروب في الفم ويرد إلى أصل الحلق فلا يبلغ كذا في النهاية والمقصود ما لم يعاين أحوال الآخرة ومن شواهد هذا الحديث قوله تعالى {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن }
الحديث الرابع
قول صلى الله عليه وآله وسلم ‏: ‏‏"‏ إن الله يحب المؤمن المُفتّن التواب‏"‏
.رواه أحد في مسنده.
* شرح الحديث :
لشرح هذا الحديث لابد أن نعرض طبقات الناس بالنسبة للتوبة كما بين ذلك وشرحه ابن قدامة المقدسي في مختصر منهاج القاصدين ‏:‏
الطبقة الأولى ‏:‏
تائب يستقيم على التوبة إلى آخر عمره، ويتدارك ما فرّط من أمره، ولا يحدِّث نفسه بالعودة إلى ذنوبه، إلا الزلات التي لا ينفك عنها البشر في العادات، فهذه هي الاستقامة في التوبة، وصاحبها هو السابق بالخيرات‏.‏وتسمى هذه التوبة‏:‏ النصوح، وتسمى هذه النفس‏:‏ المطمئنة، وهؤلاء يختلفون منهم من سكنت شهوته تحت قهر المعرفة ففتر نزاعها، ومنهم من تنازعه نفسه وهو ملئ بمجاهدتها‏.‏
الطبقة الثانية ‏:‏
تائب قد سلك طريق الاستقامة في أمهات الطاعات وكبائر الفواحش، إلا أنه لا ينفك عن ذنوب تعتريه، لا عن عمد، ولكنه يبتلى بها في مجارى أحواله من غير أن يقدم عزماً على الإقدام عليها، وكلما أتى شيئاً منها لام نفسه، وندم وعزم على الاحتراز من أسبابها، فهذه هي النفس اللوامة لأنها تلوم صاحبها على ما يستهدف له من الأحوال الذميمة، فهذه رتبة عالية أيضاً، وإن كانت نازلة عن الطبقة الأولى، وهى أغلب أحوال التائبين، لأن الشر معجون بطينة الآدمي، فقلما ينفك عنه، وإنما غاية سعيه أن يغلب خيره شره، حتى يثقل ميزانه، فترجح حسناته، فأما إن تخلو كفة السيئات، فبعيد‏.‏وهؤلاء لهم حسن الوعد من الله سبحانه وتعالى، إذ قال ‏:‏‏{‏الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة‏}‏‏ ‏(النجم‏:‏ 32‏).
والى هذه الرتبة الإشارة بقوله صلى الله عليه وآله وسلم ‏:‏‏"‏ إن الله يحب المؤمن المُفتّن التواب‏"‏ ‏
الطبقة الثالثة ‏:‏
أن يتوب ويستمر على الاستقامة مدة، ثم تغلبه شهوته في بعض الذنوب، فيقدم عليها لعجزه عن قهر الشهوة، إلا أنه مع ذلك مواظب على الطاعات، وترك جملة من الذنوب مع القدرة عليها والشهوة لها، وإنما قهرته شهوة واحدة أو شهوتان، وهو يود لو أقدره الله على قمعها، وكفاه شرها، فإذا انتهت ندم، لكنه يعد نفسه بالتوبة عن ذلك الذنب، فهذه هي النفس المسؤولة، وصاحبها من الذين قال الله تعالى فيهم ‏:‏‏{‏وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً‏}‏ فأمر هذا من حيث مواظبته على الطاعات وكراهيته لما يتعاطاه مرجو لقوله تعالى ‏:‏‏{‏عسى الله أن يتوب عليهم‏}‏ (‏التوبة‏:‏ 103‏).
وعاقبته خطرة من حيث تأخيره وتسويفه، فربما يختطف قبل التوبة، فإن الأعمال بالخواتيم، فعلى هذا يكون الخوف من الخاتمة، وكل نفس يمكن أن يتصل به الموت، فتكون الخاتمة، فليراقب الأنفاس، وليحذر وقوع المحذور‏.‏
الطبقة الرابعة ‏:‏
أن يتوب ويجرى مدة على الاستقامة، ثم يعود إلى الذنوب منهمكاً من غير أن يحدث نفسه بالتوبة، ومن غير أن يتأسف على فعله، فهذا من المصرين، وهذه النفس هي الأمارة بالسوء، ويخاف على هذا سوء الخاتمة‏.‏فإن مات هذا على التوحيد، فإنه يرجى له الخلاص من النار، ولو بعد حين، ولا يستحيل أن يشمله عموم العفو بسبب خفي لا يطلع عليه، إلا أن التعويل على هذا لا يصلح، فإن من قال‏:‏ إن الله تعالى كريم، وخزائنه واسعة، ومعصيتي لا تضره، ثم تراه يركب البحار في طلب الدينار، فلو قيل له‏:‏ فإذا كان الحق كريماً فاجلس في بيتك لعله يرزقك، استجهل قائل هذا وقال‏:‏ إنما الأرزاق بالكسب فيقال له‏:‏ هكذا النجاة بالتقوى‏.‏
إذن معنى الحديث الذي أسلفت عرضه هو حال ذلك التائب الذي سلك طريق الاستقامة، إلا أنه لا ينفك عن ذنوب تعتريه، لا عن عمد، ولكنه يبتلى بها بعض أحواله من غير أن يقدم عزماً على الإقدام عليها، وكلما أتى شيئاً منها لام نفسه، وندم وعزم على الاحتراز من أسبابها، فهذه هي النفس اللوامة لأنها تلوم صاحبها على ما يستهدف له من الأحوال الذميمة، وهذه في الحقيقة رتبة عالية أيضاً، وهى أغلب أحوال التائبين، لأن الشر معجون بطينة الآدمي، فقلما ينفك عنه، وإنما غاية سعيه أن يغلب خيره شره، حتى يثقل ميزانه، فترجح حسناته. مختصر منهاج القاصدين لابن قدامى المقدسي.
الحديث الخامس
وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه
وسلّم: " من تاب قبل أن تطلع الشمس مِنْ مغربها تاب اللَّه عليه ". رواه
مسلم (2703 ).
* شرح الحديث :
يقول الشيخ ابن عثيمين في شرحه لهذا الحديث :
إن التوبة إلى الله عز وجل لن تكون مقبولة حتى تكون من العبد في زمن قبولها وهو ما قبل حضور الأجل وطلوع الشمس من مغربها فإن كانت التوبة بعد حضور الأجل ومعاينة الموت فإنها غير مقبولة لأن الله يقول (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) (النساء: من الآية1 ،
و وإذا كانت التوبة بعد طلوع الشمس من مغربها لم تقبل لقوله تعالى (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً ) (الأنعام: من الآية15.
والمراد بذلك طلوع الشمس من مغربها فإن الشمس الآن تسير بأمر الله وتدور على الأرض تطلع من المشرق وتغرب من المغرب بإذن ربها وخالقها وبارئها فإذا كان قرب قيام الساعة فإنها تطلع من مغربها حين يقال لها ارجعي من حيث شئت فإذا رآها الناس طالعة منه آمنوا أجمعون فلا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لا تزال التوبة تقبل حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه) وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه )
وكما يقول العلماء فإن التوبة قبل طلوع الشمس من مغربها هو شرط من شروط قبول التوبة التي نجملها فيما يلي :
الشرط الأول :
أن تكون خالصة لله عز وجل بأن يكون الباعث لها حب الله وتعظيمه ورجاء ثوابه والخوف من عقابه فلا يريد الإنسان بتوبته تزلفاً إلى مخلوق ولا عرضاً من الدنيا.
الشرط الثاني :
أن يكون الإنسان نادماً على ما فعل من المعصية بحيث يتمنى أنه لم يفعل المعصية لأن هذا الندم يوجب الانكسار بين يدي الله عز وجل والإنابة إليه وحينئذ يقبل على ربه ويتوب من ذنوبه.
الشرط الثالث :
لابد أن يقلع الإنسان العاصي عن المعصية فإن كانت المعصية بفعل محرم تركه في الحال وإن كانت بترك واجب فعله في الحال إن كان مما يمكن قضاؤه وإن كانت مما يتعلق بحقوق الخلق تخلص منها وأداها إلى أهلها واستحل أو استحلهم منها.
الشرط الرابع :
العزم على عدم العودة للذنب في المستقبل فإن التوبة لن تكون مقبولة حتى يعزم التائب أن لا يعود في المستقبل للمعصية التي اقترفها لأنه إن لم يعزم على ذلك فتوبته مؤقتة يتحين فيها الفرص المواتية، فالإنسان إذا لم يعزم على أن لا يعود إلى الذنب فإن توبته لا تدل على كراهته للمعصية.
الشرط الخامس :
كما أسلفت فإن التوبة لن تكون مقبولة حتى تكون من العبد في زمن قبولها وهو ما قبل حضور الأجل وطلوع الشمس من مغربها فإن كانت التوبة بعد ذلك فإنها غير مقبولة
.
الحديث السادس:
عن ‏أبي سعيد الخدري ‏ أن نبي الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال ‏ ‏كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال إنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة فقال لا فقتله فكمل به مائة ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فقال إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة فقال نعم ومن يحول بينه وبين التوبة انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرحمة جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله وقالت ملائكة العذاب إنه لم يعمل خيرا قط فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة قال ‏ ‏قتادة ‏ ‏فقال ‏ ‏الحسن ‏ ‏ذكر لنا أنه لما أتاه الموت نأى بصدره. ( رواه مسلم في صحيحه).
* شرح الحديث :
‏قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن رجلا قتل تسعا وتسعين نفسا ، ثم قتل تمام المائة ، ثم أفتاه العالم بأن له توبة ) ،
قال الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم ‏: " هذا مذهب أهل العلم ، وإجماعهم على صحة توبة القاتل عمدا ، ولم يخالف أحد منهم إلا ابن عباس . وأما ما نقل عن بعض السلف من خلاف هذا ، فمراد قائله الزجر عن سبب التوبة ، لا أنه يعتقد بطلان توبته . وهذا الحديث ظاهر فيه ، وهو إن كان شرعا لمن قبلنا ، وفي الاحتجاج به خلاف فليس موضع الخلاف ، وإنما موضعه إذا لم يرد شرعنا بموافقته وتقريره ، فإن ورد كان شرعا لنا بلا شك ، وهذا قد ورد شرعنا به وهو قوله تعالى : { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون } إلى قوله : { إلا من تاب } الآية وأما قوله تعالى : { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها } فالصواب في معناها : أن جزاءه جهنم ، وقد يجازى به ، وقد يجازى بغيره وقد لا يجازى بل يعفى عنه ، فإن قتل عمدا مستحلا له بغير حق ولا تأويل ، فهو كافر مرتد ، يخلد به في جهنم بالإجماع ، وإن كان غير مستحل بل معتقدا تحريمه فهو فاسق عاص مرتكب كبيرة ، جزاؤه جهنم خالدا فيها ، لكن بفضل الله تعالى ثم أخبر أنه لا يخلد من مات موحدا فيها ، فلا يخلد هذا ، ولكن قد يعفى عنه ، فلا يدخل النار أصلا ، وقد لا يعفى عنه ، بل يعذب كسائر العصاة الموحدين ، ثم يخرج معهم إلى الجنة ، ولا يخلد في النار ، فهذا هو الصواب في معنى الآية ، ولا يلزم من كونه يستحق أن يجازى بعقوبة مخصوصة أن يتحتم ذلك الجزاء ، وليس في الآية إخبار بأنه يخلد في جهنم ، وإنما فيها أنها جزاؤه أي : يستحق أن يجازى بذلك ، وقيل : إن المراد من قتل مستحلا ، قيل : وردت الآية في رجل بعينه ، وقيل : المراد بالخلود طول المدة لا الدوام ، وقيل : معناها هذا جزاؤه إن جازاه ، وهذه الأقوال كلها ضعيفة أو فاسدة لمخالفتها حقيقة لفظ الآية ، وأما هذا القول فهو شائع على ألسنة كثير من الناس ، وهو فاسد لأنه يقتضي أنه إذا عفي عنه خرج عن كونها كانت جزاء ، وهي جزاء له ، لكن ترك الله مجازاته عفوا عنه وكرما ، فالصواب ما قدمناه. "
‏قوله : ( انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن فيها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم ، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء ) ‏قال العلماء : في هذا استحباب مفارقة التائب المواضع التي أصاب بها الذنوب ، والأخدان المساعدين له على ذلك ومقاطعتهم ما داموا على حالهم ، وأن يستبدل بهم صحبة أهل الخير والصلاح والعلماء والمتعبدين الورعين ومن يقتدي بهم ، وينتفع بصحبتهم ، وتتأكد بذلك توبته . ‏
الحديث السابع
وعن أبي موسى عبد اللَّه بن قيس الأشعري رَضِيَ اللَّه عنه عن النبي
صَلَّى اللّه عليه وسلّم قال: " إن اللَّه تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء
النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس مِنْ مغربها رواه مسلم (7165).
* شرح الحديث :
قال الإمام النووي في شرح هذا الحديث :
‏قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها ) ‏
‏ولا يختص قبولها بوقت، فبسط اليد استعارة في قبول التوبة، قال المازري : المراد به قبول التوبة، وإنما ورد لفظ (بسط اليد) لأن العرب إذا رضي أحدهم الشيء بسط يده لقبوله، وإذا كرهه قبضها عنه، فخوطبوا بأمر حسي يفهمونه، وهو مجاز، فإن يد الجارحة مستحيلة في حق الله تعالى.
والحديث فيه ترغيب في التوبة إلى الله عز وجل، وبيان لطف الله ورحمته بعباده، فإن الله تعالى يغفر للعبد إذا تاب بالليل، كما يغفر له إذا تاب بالنهار ، ويغفر له إذا تاب في جميع الأحيان ، وهذا من كرم الله على العباد وعظيم لطفه بهم.
الحديث الثامن
قال صلى الله عليه وسلم عن توبةَ المرأة الغامديةِ : ( لقد تابت توبةً لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم ، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل ؟ ) رواه مسلم في صحيحه.
* شرح الحديث :
هذا الحديث يحكي قصة المرأة الغامدية التي زنت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم تابت توبة عظيمة شهد لها النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، وملخص القصة أنه بينما كان الرسول صلى الله عليه وسلم جالسا يوماَ في المسجد ، وأصحابه حوله من كبار الصحابة ..وسادات الأنصار.. وبالأولياء.
وإذا بامرأة تدخل باب المسجد ، حتى وصلت إليه عليه الصلاة والسلام ، ثم وقفت أمامه ، وأخبرته أنها زنت !!! وقالت: (يا رسول الله أصبت حدًا فطهرني) ، فاحمرّ وجه النبي صلى الله عليه وسلم حتى كاد يقطر دماً ، ثم حوّل وجهه إلى الميمنة ، وسكت كأنه لم يسمع شيئاً ، فقد حاول الرسول صلى الله عليه وسلم أن ترجع المرأة عن كلامها ، ولكنها امرأة حرة مؤمنة رسخ الإيمان في قلبها حتى جرى في كل ذرة من ذرات جسمها، فقالت : أُراك يا رسول الله تريد أن تردني كما رددت ماعز بن مالك ، فوا الله إني حبلى من الزنا ..!! فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم بعدما علم أنها حبلى من الزنا : (اذهبي حتى تضعيه)
فوضعته وفي أول يوم أتت به وقد لفَّته في خرقة ، وقالت : يا رسول الله طهرني من الزنا ، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى طفلها، وقلبه يتفطر عليه ألمًا وحزنًا، من يُرضع الطفل إذا أقمنا عليها الحد ؟! من يقوم بشئونه ؟! فقال لها : ارجعي وأرضعيه فإذا فَطَمْتيه فعودي إليّ ، فذهبت إلى بيت أهلها ، فأرضعت طفلها حتى فطمته ، وما يزداد الإيمان في قلبها إلا رسوخا، وتأتي به في يده خبزا يأكلها ، فقالت : يا رسول الله قد فطمته فطهرني فأخذ صلى الله عليه وسلم طفلها وقال : " من يكفل هذا وهو رفيقي في الجنة كهاتين ".
ويؤمر بها فتدفن إلى صدرها ثم ترجم ، فيطيش دم من رأسها على خالد بن الوليد ، فسبها على مسمع من النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال عليه الصلاة والسلام : مهلا يا خالد " والله لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لقبلت منه " ، وفي رواية أن النبي – صلى الله عليه وسلم – " أمر بها فَرُجمت ، ثم صلّى عليها، فقال له عمر رضي الله عنه : تُصلي عليها يا نبي الله وقد زنت!! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لقد تابت توبة ، لو قُسّمت بين سبعين من أهل المدينة لوسِعَتْهُم ، وهل وجدتَ توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى" !!.
ـ الحديث التاسع :
عن ابن معقل قال دخلت مع أبي على عبد الله فسمعته يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"الندم توبة فقال له أبي أنت سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول الندم توبة قال نعم". (أخرجه أحمد وابن ماجة ورواه الطبري في الكبير (3429))
* ـ شرح الحديث :
إن هذا الحديث يوضح لنا أنه لابد للتوبة من ندم ، أي أن يندم المرء على ما سلف من الذنوب والمعاصي ، فإنه لا يمكن تصور التوبة إلا من نادم حزين آسف على ما بدر منه من المعاصي ، لذا لا يعد نادماً من يتحدث بمعاصيه السابقة ويفتخر بذلك ويتباهى بها ، كما أنه لا يعد نادما ً من يتوب ولم يندم على ما اقترفت يداه من المعاصي والأخطاء ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : (الندم توبة) ، وقد فسر العلماء هذا الحديث الموجز الجامع المانع بأنه لا ندم من دون علم ، أي لابد للندم من علم سببهُ ومن سلوك أوجبهُ .
* ـ الحديث العاشر :
عن أنَس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "كل ابن آدم خطّاء وخير الخطاءين
التوابون »‏ .‏ (أخرجه الترمذي (2499) وابن ماجة (4251) )
* ـ شرح الحديث :
يبين لنا النبي صلى الله عليه وسلم من خلال هذا الحديث أننا كلنا مذنبون ، كلنا مخطئون ، نقبل على الله تارة وندبر أخرى ، نراقب الله عز وجل مرة ، وتسيطر علينا الغفلة أحيانا أخرى ، لا نخلو من المعصية ، ولا بد أن يقع منا الخطأ ، ولابد أن يقع منا الزلل ، فليس لأحد مهما علا شأنه أن ينفك عن الخطأ ، إذ هذه هي طبيعة البشر ، فالسهو والتقصير من طبع الإنسان ، ومن رحمة الله بهذا الإنسان الضعيف أن فتح له باب التوبة ، وأمره بالإنابة إليه ، والإقبال عليه ، كلما غلبته الذنوب ولوثته المعاصي ، ولولا هذه الرحمة العظيمة لوقع الإنسان في حرج شديد ، وقصرت همته عن طلب التقرب من ربه ، وانقطع رجاؤه من عفوه ومغفرته .
نبـي رب العالمين .. الصادق الهادي الأمين .. الطاهر الدَّمِثُ الذي..
بالحق صار معلماً .. بالحق صار معلماً.. بالحق صار معلماً...
إذن من هـــو الإنسان التـوّاب ؟!!
هو إنسان كثير الرجوع إلى الله عز وجل , يرجع إلي طاعته بعد معصيته , وإلى موافقة أمره بعد مخالفته عن كل ذنب يبعد الإنسان عن الله عز وجل ويقطع صلته به , ففي الحديث القدسي يقول الله عز وجل : [ إني خلقت عبادي حنفاء كلهم وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ] . والإنسان السعيد هو من إذا أضل أناب وإذا أذنب تاب فإن الله تعالى يقول :{ ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيما } النساء :110 , { والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا اله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون } آل عمران : 135 .
ثانيا: نموذج تطبيقي عملي على التوبة :-
(1) التوبة في حياة الصحابة رضوان الله تعالى عليهم :-
* مقدمة .. الصحابة والتوبة
حديثنا اليوم عن الصحابة والتوبة، فالصحابة هم أفضل الأجيال على الإطلاق، جاء ذلك تصريحا في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ.
والأحاديث في هذا الأمر أكثر من أن تحصى، أحاديث كثيرة جدا، أثبتت الخيرية لهذا الجيل، وأنه أفضل من كل أجيال الأرض، ومع ذلك، فالصحابة بشر، ليسوا معصومين من الخطأ، لا شك أنهم كانوا يخطئون، وأحيانا كانوا يخطئون أخطاء شديدة، بل أحيانا كانوا يخطئون أخطاء كبيرة، بل في بعض الأوقات لا يتخيل الإنسان أن يخطئ الصحابي هذا الخطأ، وكانوا يتوبون من هذه الأخطاء.
المبالغات الكبيرة في قصص الأولياء
أخطأ بعض الناس في المبالغة الشديدة في أحوال الصحابة، ونقلوا عنهم القصص العجيبة الضعيفة جدا، بل أحيانا الموضوعة، والتي تظهرهم بصورة ملائكية، وترتفع بهم فوق صور البشر، والصحابة لا يحتاجون لمبالغة حتى يُعَظمون، يكفي أن تنقل الصورة الحقيقة للصحابة، ففي هذا كل التعظيم لهذا الصحابي، كان فعلا جيلا فريدا عظيما جدا متميزا، ولكن المبالغة فيها خطورة كبيرة جدا، فقد تصيب اللاحقين باليأس .
ولأن الصحابة كانوا بشرا فإنهم كانوا يخطئون أحيانا، ولا ضير في ذلك ما دامت الخطيئة ستتبع بتوبة، من خصائص الإنسان أنه يخطئ، لا يوجد إنسان لا يخطئ أبدا، روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم:
وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، وَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرَ لَهُمْ.
طبعا هذه ليست دعوة للذنوب، إنما هي تقريب للواقع، دعوة للتوبة، الواقع الذي خلقه الله عز وجل أن الإنسان لا بد أن يخطئ، والكمال لله عز وجل وحده، والمعصوم هو من عصمه الله عز وجل، وحتى الأنبياء، فإنهم أحيانا يختارون خلاف الأولى، ويُلامون على ذلك من الله عز وجل، وذلك لإثبات بشرية هؤلاء، وإلى هذا المعنى أشار الرسول صلى الله عليه وسلم، قال:
كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ.
إذن الصحابة يذنبون، والصحابة يتوبون من ذنوبهم، ولكن توبة الصحابة كانت توبة ذات طابع خاص جدا، لها سمات مميزة، ولها صفات أصيلة على جانب كبير من الأهمية، فمن المعلوم أن شروط التوبة عند كل البشر ثلاثة، أي إنسان أخطأ، والخطأ هنا في حق ربنا سبحانه وتعالى، فعليه بثلاثة أمور حتى يتوب إلى الله عز وجل، فأول شيء أن يقلع عن المعصية فورا، والثاني أن يندم على فعلها، يندم يعني طول حزن فيه طول بكاء ألم شديد في النفس على المعصية التي مرت، والثالث أن يعزم على ألا يعود إليها أبدا، هذا العزم لا بد أن يكون عزما صادقا، والله سبحانه وتعالى مطلع على القلوب، لو كان الذنب هذا متعلق بحق آدمي يضاف شرط رابع، أن يرجع الحقوق لصحابها، يعني فيه مال سرق مثلا يرجع المال المسروق، وإذا شهدت شهادة زور، تذهب وترد شهادة الزور، وإذا كان هناك قطيعة، أو هناك سباب، أو هناك خطأ في حق أحد، تذهب، وتأخذ العفو منه على الخطأ الذي وقع منك في حقه.
************
سمات التوبة عند الصحابة
لكن التوبة في حياة الصحابة كانت تتميز بصفات رائعة فوق هذه الصفات الأساسية، فهناك خمس سمات سوف نتكلم عليها.
1- التوبة من قريب
فالسمة الأولى شيء كان واضح جدا، وهي التوبة من قريب، لم يكن هناك إصرار على المعصية عند الصحابة، كان إذا ضعف، وارتكب ذنبا، أفاق سريعا، وتاب إلى رشده، وعاد إلى الله عز وجل، وهذا كان يوجب له المغفرة الكاملة من الله عز وجل، يقول ابن عباس رضي الله عنهما:
لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار.
هناك مثل لطيف يقوله الإمام الغزالي رحمه الله في إحياء علوم الدين، يقول: " إن قطرات الماء الصغيرة إن وقعت على حجر، ولكن بصورة متتالية، وعلى فترة طويلة من الزمن، فإنها تؤثر في حين إذا جمعت هذه القطرات كلها في دلو واحد وسكبتها مرة واحدة على الحجر لا تؤثر في الحجر".
إذًا لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار.
لذلك الله عز وجل يفتح باب التوبة باستمرار لكل البشر حتى تعود إليه في الوقت الذي تذنب فيه، فلا تؤجل التوبة لرمضان، أو تؤجل التوبة للحج، أو تؤجل التوبة حتى تكبر في السن؛ لأن باب التوبة مفتوح في كل وقت، روى الإمام مسلم رحمه الله عن أبي موسى الأشعري رضي الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ.
فيكون طول الليل عندك فرصة التوبة مفتوحة.
وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ.
كذلك النهار كله عندك فرصة بأن تتوب من ذنوب الليل.
حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مَنْ مَغْرِبِهَا.
حتى العلامات الأخيرة من يوم القيامة.
فالصحابة كانوا يعلمون أن التوبة المتقبلة حقا هي التي يسرع بها الإنسان المخطئ إلى الله عز وجل، وذلك مثال لقوله سبحانه وتعالى:
[إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا] {النساء:17} .
أبو قتادة رحمه الله يقول:
كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: كل ذنب هو جهالة. فعندما يقول الحق سبحانه وتعالى:
[يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ] {النساء:17} المقصود بها أي ذنب ارتكب في حق الله عز وجل، أو في حق العباد
[إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا(17)وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمً] {النساء:17،18} .
فأول سمة واضحة جدا من سمات التوبة عند الصحابة أنهم كانوا يتوبون من قريب، نعم يخطئون، نعم يقعون في أخطاء، قد تكون أخطاء جسيمة، لكنهم سريعا يعودون إلى الله عز وجل، وليس عيبا أننا نخطئ، ولكن كل العيب أننا نصر على هذا الخطأ.
تعالوا نرى موقفا يوضح لنا هذه الصورة السريعة في التوبة.
توبة أبي لبابة:-
لقد خانت بنو قريظة العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما نعلم في غزوة الخندق خانت العهد، وبعد الغزوة الرسول عليه الصلاة والسلام قرر أن يذهب، ويحاصر بني قريظة، وبالفعل حاصر بني قريظة خمسة عشر ليلة ومتصلة حتى أصابهم اليأس والفزع، فطلبت بنو قريظة من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرسل إليهم رجلا للتفاوض معه، واختاروا أبا لبابة بن عبد المنذر رضي الله عنه وأرضاه وهو من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن الأنصار، ومن الأوس، ولماذا اختارواهذا الرجل؟
لأنه كان حليفا لهم في الجاهلية، فقالوا:
من الممكن أن نتكلم معه ونتفاهم معه ويكون قلبه رحيما علينا. فاختاروا هذا الرجل، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد عزم على أن يقتل بني قريظة لأنهم خانوا الرسول صلى الله عليه وسلم خيانة ضخمة جدا، وكانوا سوف يدخلون قريشا إلى داخل المدينة المنورة، ويستأصلون كل المسلمين في المدينة المنورة، فالجزاء من جنس العمل، وقرر قتل بني قريظة، فلما طلبوا أبا لبابة، ذهب إليهم للتفاوض، والتحاور معهم، والرسول نبه أبا لبابة ألا يخبر اليهود بهذا القرار؛ لأنهم إن عرفوا هذا القرار لن يفتحوا الأسوار، وسوف يظلون محاصرين فترة طويلة من الزمن، وبالطبع فإن حصون بني قريظة كانت كبيرة جدا، وفيها الغذاء والماء، ومن الممكن أن يطول الحصار شهورا، ذهب إليهم أبو لبابة رضي الله عنه وأرضاه فلما رآه اليهود قام إليهم رجالهم، وجهشت إليه نساؤهم، والصبيان يبكون في وجه، الكل يبكي؛ لأنهم يعرفون النهاية، فَرَقّ لهم، فقد كان بينه وبينهم علاقات سابقة، فرق لهم، فقالوا له:
يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد صلى الله عليه وسلم، فقال بلسانه: نعم، انزلوا على حكمه.
ولكنه أشار إلى حلقه، أي أنه الذبح، إن الرسول صلى الله عليه وسلم قرر أن يذبحكم.
لقد أفشى سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، خان العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، جريمة كبرى جدا، إنه من الأنصار، ومن الصحابة الثابتين في الإسلام، والعظماء جدا في التاريخ الإسلامي، وله تاريخ فيما سبق، لكن سبحان الله النفس ضعيفه، أخطأ في لحظة، وهذا الخطأ لا يقع فيه كثير من المسلمين، خطأ كبير جدا أفشى سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول أبو لبابة رضي الله عنه:
فوالله ما زالت قدماي من مكانهما، حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله. هنا علم أنه أذنب، وأن الذنب كبير جدا، إنها لحظة ضعف، نعم وقع في الخطأ، ولكن هناك التوبة، انطلق أبو لبابة رضي الله عنه على وجه على الفور مباشرة، ولم يأت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل ذهب إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وربط نفسه في عمود، وقال:
لا أبرح مكاني هذا، حتى يتوب الله علي مما صنعت.
فقد ربط نفسه في سارية من سواري المسجد، وقرر ألا يفك نفسه، حتى يفكه الرسول صلى الله عليه وسلم، يفكه بنفسه عندما تنزل توبة الله عز وجل، وكان من الممكن أن يكتم الموضوع، لم ير أحد من المسلمين ما حدث، ولكنه يدرك أنه ذنب كبير، وخطأ كبير جدا، لا بد أن يتوب من هذا الخطأ، ففرصته في التوبة في الدنيا، ولو مات قبل أن يتوب الله عليه ذهبت الفرصة، وقيل إنه قد نزل قول الله عز وجل:
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ] {الأنفال:27} .
وصل الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلم بأن أبا لبابة رضي الله عنه وأرضاه قد ربط نفسه بالعمود في المسجد، وأقسم ألا يبرح هذا المكان، حتى يتوب الله عليه، سبحان الله! إنه عقاب صعب جدا، ولكنها التوبة الحقيقية، ولم تهمه صورته أمام الناس، وأمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يشغله المدة التي سوف يمكثها في محبسه، هل هي أيام، أم شهور، حتى تنزل توبة الله عز وجل عليه، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم لما وصله أنا أبا لبابة قد قيد نفسه في العمود قال:
أَمَا لَوْ جَاءَنِي لَاسْتَغْفَرْتُ لَهُ.
الرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم لو كان أخبرني قبل أن يربط نفسه، كنت قد سامحته، لكن ما دام أقسم أنه لن يفك نفسه حتى يتوب الله عز وجل، فلن أستطيع أن أتحرك إليه حتى تنزل التوبة من الله عز وجل، يقول صلى الله عليه وسلم:
فَأَمَّا إِذْ قَدْ فَعَلَ مَا فَعَلَ فَمَا أَنَا بِالَّذِي أُطْلِقُهُ مِنْ مَكَانِهِ حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وظل أبو لبابة محبوسا في القيد ستة أيام متواصلة، تأتيه امرأته في كل وقت صلاة تفك القيد فيصلي، وترجع تقيده ثانية من جديد، ألم شديد في النفس، وتوبة سريعة إلى الله عز وجل، توبة صادقة، وبعد ستة أيام، نزلت رحمة الله عز وجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوبة على الصحابي الجليل أبي لبابة بن عبد المنذر رضي الله عنه وأرضاه، ونزلت التوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت أم المؤمنين أم سلمة، تقول أم سلمة:
فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من السحر، وهو يضحك، والرسول فرح جدا أنه قد نزلت التوبة على أبي لبابة، حب شديد بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين عموم الصحابة، وعموم المسلمين إلى يوم القيامة صلى الله عليه وسلم، فيضحك وعندما سئل: لماذا تضحك؟
قال: لَقْد تِيبَ عَلَى أَبِي لُبَابَةَ.
قالت: أفلا أبشره يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال: بَلَى إِنْ شِئْتِ الْكَلَامَ.
وهذا حدث قبل أن يضرب الحجاب على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فوقفت على باب الحجرة، وقالت:
يا أبا لبابة، وكانت حجرات الرسول صلى الله عليه وسلم مطله على المسجد، والرجل مربوط داخل المسجد، فقالت:
يا أبا لبابة، أبشر، فقد تاب الله عليك.
قال: فسار الناس إليه ليطلقوه، كل الناس ذهبت بسرعة تفكه فقال:
لا، والله حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقني بيده. فلما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح أطلقه.
والشاهد من القصة، أن أبا لبابة قد أخطأ خطأ كبيرا جدا، فقد أفشى سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أفشى سرا يعتبر من الأسرار العسكرية، أسرار الدولة الهامة، والرسول قد أخبره ألا يذيع هذا السر، ومع ذلك وقع في الخطأ، وليست هذه المشكلة، وإنما المشكلة أن يقع الإنسان في مثل هذا الخطأ، ويظل مصرا على المعصية، ولكن أبا لبابة، لم يصر على المعصية، فبمجرد أن أخطأ ذهب بسرعة وربط نفسه في السارية، وظل هكذا حتى تاب الله عليه، وتاب توبته السريعة جدا لله عز وجل فتاب الله عليه [ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ] {النساء:17} .
توبة عمار بن ياسر :-
وعمار بن ياسر رضي الله عنه وأرضاه قصته معروفة، قام معه المشركون بأشد أنواع التعذيب فترة بمكة، ليس له وحده، بل لكل العائلة، له، ولأمه، ولأبيه، وضعوا الصخر على صدره، وأغرقوه، وقاموا بقتل والده، وأمه، قتلوهم أمامه، ياسر وزوجته سمية رضي الله عنهما، وطلبوا من عمار بن ياسر أن يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمام القهر، والتعذيب، وأمام الإكراه الحقيقي، وأمام القتل الفعلي الذي حدث لأعز الناس لديه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمام الألم الرهيب الذي أحس به في كل ذرة من جسده، قال ما أراد الكفار، وسب الرسول صلى الله عليه وسلم سبه بلسانه، وقلبه لا يقدم عليه أحدا من خلق الله، ولا حتى نفسه التي بين جنبيه، مع أن الموقف سليم شرعا، يعني لو واحد تعرض للتعذيب، والإكراه بأن يقول هذه الكلمة من الممكن أن يقولها ما دام القلب مطمئنا بالإيمان، ولكنه لا يعرف أن هذا الموقف سليم شرعا، فماذا يعمل عمار رضي الله عنه وأرضاه؟
جاء مسرعا باكيا معتذرا تائبا من قريب جدا، بمجرد أن تركه الكفار، فبعد ما قال الكلمة التي قال، جاء بسرعة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يشكو إليه ما بدر منه، ويبكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعتذر إليه مما فعل، يقول: قد قلت فيك كذا وكذا.
فقال الرسول صلى الله عليه وسلم له:
كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟
قال عمار: أجده مطمئنا بالإيمان.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم:
إِنْ عَادُوا فَعُدْ.
فأنزل الله عز وجل قوله:
[مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] {النحل:106} .
الواقع أن قضية التوبة من قريب قضية على قدر كبير من الخطورة، بالنسبة للمؤمنين، خطيرة لأن مرتكب الذنب حال ارتكابه للذنب يكون على خطر عظيم.
وانظر إلى هذا الحديث المخوف المرعب في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم:
لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِجُ نَهْجَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِجُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ.
أي لا يسرق سرقة والناس تنظر إليهن وتخشاه ؛ لأنه صاحب سلطة، وصحاب قهر، وصحاب سلطان، وليس المقصود أنه صلى الله عليه وسلم يكفر المؤمن بهذه المعاصي، ولكن ينتقص إيمانه انتقاصا شديدا يتذبذب إلى الحد الذي قد يخرجه بعد ذلك من الإيمان بالله تماما إلى الكفر، وانظر إلى الحديث الذي رواه الإمام البيهقي، وابن حبان، وصححه، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه يقول: قال صلى الله عليه وسلم:
اجْتَنِبُوا الْخَمْرَ فَإِنَّهَا أُمُّ الْخَبَائِثِ.
في آخر الحديث يقول:
وَإِنَّهَا لَا تَجْتَمِعُ هِيَ وَالْإِيمَانُ إِلَّا أَوْشَكَ أَحَدُهُمَا أَنْ يُخْرِجَ صَاحِبَهُ.
فالمعصية الكبيرة التي يصر الإنسان عليها مرة، واثنتين، وثلاثة، يعملها وهو متذبذب الإيمان جدا، وإن أصر عليها يوشك أحدهما أن يخرج الآخر، المعصية تخرجه من الإيمان بالكلية، يصبح كافرا، إن ارتكاب المعاصي ليس مكفرا في حد ذاته؛ ولكنه قد يقود إلى الكفر، وبالذات لو جاء الموت إنسانا، وهو يرتكب المعصية، شيء في منتهى الخطورة، وكثيرا ما نسمع عن إنسان مات، وهو يشرب الخمر، أو مات وهو يزني، أو مات وهو يسرق، أو يقتل، أو ما إلى ذلك من الموبقات، ففي كل هذه الأحوال يكون على خطر عظيم، روى الإمام مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ.
خطير جدا أن الإنسان يموت على معصية، إن التوبة من قريب قضية في منتهى الأهمية الصحابة كانوا يتذكرونها جيدا، وكانت السمة الأولى من سمات التوبة للصحابة.
********
2- عدم تبرير الذنب
السمة الثانية الهامة جدا أيضا هي عدم تبرير الذنب، وعدم الجدل فيه، فعندما أذنب، وعرف بأنه قد أذنب، لا بد وأن يتوب بسرعة من غير أن يجادل، يقول لك، والله أنا لم أخطئ، وكثير من الناس لا يريد الظهور بمظهر المذنب أمام الناس، لا يفقه أهمية النصيحة في إصلاح الفرد والمجتمع، فالمسلم مرآة أخيه، وإن أنت أذنبت ففكر في الذنب بدلا من أن تفكر في الجدال يا ترى أنا أذنبت أم لم أذنب؟
وتظل تبرر صورتك أمام الناس، ولم يكن الصحابة هكذا، وكثيرا ما نرى بعض الناس يبررون جرائم خطيرة، وكبيرة يبررون الاختلاس من أموال الدولة، ويبرررون الظلم الذي يقع على خلق الله عز وجل، ويبررون السباب، والشتائم، والقذف، والغيبة، ويبررون كل جريمة، وإن عظمت، وتبرر كل معصية وإن كانت مثل ضوء الشمس، ولكن الصحابة لم يكونوا كذلك، فالصحابة ما كانوا يجادلون في ذنوبهم أبدا، ولا يبررون معاصيهم إلا بالتبرير الذي كانوا يعتقدونه أحيانا، فلو ظهر لهم الحق اتبعوه مباشرة دون تردد، والصحابة كانوا يرحبون بمن كان يهدي إليهم عيوبهم، ويجلون من يوضح لهم أخطاءهم، ومن الأفضل أن أعرف الخطأ في الدنيا وجميل أنك بصرتني جزاك الله خيرا أنك أخبرتني بالخطأ الذي وقعت فيه، عندي فرصة الآن أن أتوب بدلا من الاستمرار في الذنب، يوم، واثنين، وشهر، وشهرين، والعمر كله، ولا يقول لي إنسان، ما هو الأصح النصح بالتوبة، أم أن الإنسان يترك كل إنسان على هواه إلى أن يلقى العقاب الذي يعطيه الله عز وجل على هذا الذنب بعد أن يكون قد مات، وليس هناك وقت للرجعة.
تعالوا ننظر إلى الصحابة، وكيف كانوا يتعاملون مع قضية الذنب عندما يعرفوه:
موقف أبي مسعود الأنصاري:-
انظر مثلا موقف أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه، روى الإمام مسلم عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال:
كنت أضرب غلاما لي، فسمعت من خلفي صوتا:
اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ.
فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هناك خطأ، وذنب قد حدث، فالرجل كان يضرب غلامه، والرسول صلى الله عليه وسلم يحذره، فماذا فعل أبو مسعود الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه؟ قال: هو حر لوجه الله يا رسول الله.
أعتق الغلام، ولم يقل له ماذا بدر من الغلام.
لم يبررضربه للغلام، وقد تكون بعض المبررات صحيحة، ولكنه يعرف أنه قد تجاوز، فلما عرف هذا الأمر، واكتشف هذا الأمر، لم يتردد لحظة للتوبة لله عز وجل، لم يجادل دقيقة واحدة، فقال صلى الله عليه وسلم:
لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ.
فهذا الخطأ يستحق العقاب الشديد من الله عز وجل، لكن الصحابي لما تاب إلى الله سبحانه وتعالى تاب عليه.
موقف أبي بكر الصديق:-
وانظر إلى موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، وهو في غاية الجمال، روى مسلم وأحمد عن عائد بن عمرو رضي الله عنه أن أبا سفيان أتى على سليمان، وصهيب، وبلال في نفر، ونحن نعلم أن سلمان، وصهيب وبلال الثلاثة كانوا من الموالي، ثم اعتقوا بعد الإسلام، وفي يوم من الأيام مر أبو سفيان على الثلاثة، وهؤلاء الثلاثة كانوا من الضعفاء، وهذا المرور من أبي سفيان على هؤلاء الثلاثة، كان بعد صلح الحديبية، في زمن الهدنة فقالوا:
والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها.
أي كنا نود أن نرى السيوف تقطع في رقبة أبي سفيان، وهذا الكلام كانوا يقولونه أمام أبي سفيان في زمن الهدنة، قال عائد رضي الله عنه، وعائد هو عائد بن عمرو راوي الحديث، يقول: فقال أبو بكر رضي الله عنهم:
أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم.
بدأ يلوم على الثلاثة الضعفاء الذين قالوا هذه الكلمات، فأتى أبو بكر النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره، وقص أبو بكر الصديق ما حدث على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى يرى من المخطئ، ومن المصيب، فقال:
يَا أَبَا بَكْرٍ لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ، لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ، لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ.
انظر إلى كرامة بلال، وكرامة سلمان، وكرامة صهيب عند الله عز وجل، وانظر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، الرسول صلى الله عليه وسلم يقدر موقف الصحابة الضعفاء الثلاثة الذين رأوا رأس الكافرين، وهو يمشي أمامهم، تذكروا كل ما فعل بهم في أرض مكة، وتذكروا أنهم الآن يعيشون في المدينة، وخرجوا مشردين من مكة، فقد كان لهم ديار في مكة، وكان لهم عيشة في مكة، كل هذا أهل الكفر حاربوهم فيه، فقالوا هذا الكلام من جراء المعاناة الشديدة التي كان يعاني منها هؤلاء الصحابة، فالرسول يقدر موقفهم، ويقدر القهر، والتعذيب، والبطش، والطرد، والحرب المستمرة التي كانت من قريش، وانظر إلى موقف أبي بكر الصديق الذي كان يمتلك المبررات، وكان يمتلك الوسيلة التي من الممكن أن يرد بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم،
أولا: هذا زمن هدنة، ولا داعي لإثارة أمور قد تثير الحرب بين الطرفين.
وثانيا: هذا سيد قريش، هذا أبو سفيان، ويرجى إسلامه، ولو أسلم هذا الرجل لأسلمت قريش من ورائه، لو سمع هذه الكلمة من الممكن أن ينفر من الإسلام.
وثالثا: أنه لا داعي لسب الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عَدْوا بغير علم.
ورابعا: أن من الأفضل الدعوة بالتي هي أحسن.
فهذه أسباب كثيرة، ومبررات كثيرة يستطيع أبو بكر، وهو لا ينقصه حجة ولا بلاغة، يستطيع أن يذكرها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك أعرض أبو بكر عن كل هذه المبررات، ولم يفكر إلا في الذنب الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسرع أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه لإخوته سلمان وصهيب وبلال، وقال:
يا إخوتاه أغضبتكم؟
يخاف من الذنب؛ لأن أبا بكر رضي الله عنه صفحته بيضاء تمام فذهب بسرعة حتى يتجنب هذا الذنب الذي وقع منه، أو احتمال الذنب الذي وقع منه وقال لهم: يا إخوتاه أغضبتكم؟
فرد أحدهم عليه، وقال:
لا.
ثم قال: يغفر الله لك يا أخي.
فالشاهد من القصة أن أبا بكر الصديق كان عنده من المبررات الكافية، والتي تحسن صورته، وتجمل هيئته أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمام الثلاثة الضعفاء، وأمام المجتمع المسلم بكامله، ولكنه ما أراد كل ذلك، كل ما يريده أن يتوب من الذنب بعد أن وضح له أنه ذنب لا بد وأن يتوب منه.
توبة أسامة بن زيد :-
موقف آخر لأحد الصحابة يوضح عدم المجادلة، وتقديم المبررات، ولكنه كان يسرع للتوبة، أسامة بن زيد رضي الله عنهما له موقف مشهور كلنا نعرفه جاء في البخاري ومسلم وغيرهما عن أسامة بن زيد رضي الله عنها يقول:
بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة، فأدركت رجل.
وفي رواية:
كان منهم رجل أقبل القوم، فكان من أشدهم علينا، وإذا أدبروا كان حاميتهم. فسيدنا أسامة بن زيد رضي الله عنهما يصف أحد الرجال في جيش المشركين هذا الرجل لما يهجم المشركون على جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من أشد الناس ضراوة على المسلمين، وعندما يتقهقر الجيش الكافر يكون من أشد الناس حماية لجيش الكفار، يقول أسامة:
فغشيته أنا ورجل من الأنصار، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله.
وانظر إلى الموقف، فسيدنا أسامة بن زيد، يجري وراءه من أول القتال حتى أمسكه، ووضعه أمامه حتى يقتله، والمشرك حتى هذه اللحظة كان شديدا جدا على المسلمين، وقتل عددا من المسلمين بالفعل، يقول أسامة فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله.
فكف عنه الأنصاري. وخاف الأنصاري أن يقتله عندما سمع كلمة لا إله إلا الله، وقتله أسامة بن زيد، قتل الرجل، يقول أسامة:
فوقع في نفسي من ذلك، فقلته للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله: أَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَقَتَلْتَهُ.
فقال أسامة:
يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلَاحِ.
يقول المبرر الحقيقي الذي عنده، وفي رواية:
يا رسول الله، أوجع في المسلمين، وقتل فلان، وفلان- وسمى له نفرا- وإني حملت عليه، فلما رأى السيف قال: لا إله إلا الله.
فقال صلى الله عليه وسلم:
أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا؟
فماذا كان رد فعل أسامة بن زيد؟
إنه لم يكرر التبرير، وقال أسامة مباشرة:
يا رسول الله، استغفر لي.
لا مكان للجدل، ولا مناقشات، ولا محاورات، وأدرك الخطأ الفادح الذي وقع فيه حتى قال:
حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ.
أي: ياليتني أسلمت اليوم، ولم يكن في صحيفتي هذه الجريمة الكبرى، وندم على ما فعل.
وموقف آخر لأسامة بن زيد رضي الله عنه وأرضاه عندما ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشفع في المخزومية التي سرقت، ونحن نعلم مكانة بني مخزوم، فهي قبيلة قوية شديدة كبيرة، فلما ذهب رضي الله عنه وأرضاه يشفع في المخزومية حتى لا تقطع يدها، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غاضب:
أَتُكَلِّمُنِي فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ.
هل رد عليه أسامة رضي الله عنه وأرضاه وقال له إن عائلتها كبيرة وسوف تحدث مشاكل في المجتمع المسلم وهذه أول مرة؟
إن كل الكلام لم يفكر فيه، وإنما قال:
استغفر لي يا رسول الله.
لأنه أدرك أنه قد أخطأ، فلا جدال، ولا محاورات، ولا مناقشات، لا بد أن نتعلم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنت المستفيد عندما يوجه لك اللوم، لأنك سوف تتوب من الذنب، وأنت الذي كنت سوف تحاسب عليه، ولتحمد الله سبحانه وتعالى أنه يسر لك إنسانا ينصحك في الله، نريد أن نوسع صدرنا لقبول النصيحة.
فهذه كانت السمة الثانية من سمات الصحابة في توبتهم أنهم كانوا لا يجادلون، ولا يبررون ذنوبهم إذا أوضح لهم أحد الناس أنها قد أخطئوا، ويسارعون في توبتهم.
*********
3- تعظيم الذنب ولو كان صغيرا
السمة الثالثة سمة على قدر كبير من الأهمية أيضا، وهي تعظيم الذنب، ولو صغيرا، وهو عكس ما يفعله كثير من الناس، فمعظم الناس يُهَوّن الذنب مهما عظم، لكن الصحابة كانوا يعظمون الذنب مهما صغر، انظر إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه كان يقول كما جاء في صحيح البخاري:
إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه جالس تحت جبل يخاف أن يقع عليه.
المؤمن يتخيل الذنب كالجبل كأن الجبل سيقع.
وإن الفاجر يرى ذنوبه، كالذباب مَرّ على أنفه، فقال به هكذا. وأشار بيده فوق أنفه.
أي قد أذهب الذباب بيده، وهذا يدل على الاستهانة بالذنب.
وانظر إلى أنس بن مالك رضي الله عنه، وأرضاه كيف كان مفهومه عن الذنب؟
قال أيضا في صحيح البخاري:
إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر.
أي أنتم ترونها شيئا بسيطا جدا، أدق من الشعر.
وإنا كنا لنعدها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من الموبقات المهلكات. أمر ضخم جدا، وفرق واضح هائل بين جيل الصحابة، والجيل الذي لحق كما يقول أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، أنهم كانوا يفرقون بين عظم الذنب، وصغره بحسب قوة الإيمان، فما بالكم بالأجيال التي تلت كلام أنس بن مالك، هذا للجيل الذي تلا جيل رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة.
لا وصول إلى ما وصلوا إليه إلا بالتوبة من كل ذنب مهما صغر، وكان بلال بن سعد رحمه الله كان يقول:
لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت.
أنت عصيت الله عز وجل، انظر إلى عظم من عصيت، انظر إلى عظمة من عصيت.
وقد رأينا موقف الصديق رضي الله عنه وأرضاه من ربيعة بن كعب رضي الله عنه عندما قال في حقه كلمة شعر، أنه قد أغضبه بها، يعني الصديق أغضب ربيعة بن كعب بكلمة بسيطة، فطلب منه الصديق أن يردها عليه، و الصديق في ذلك الوقت كان وزير رسول الله صلى الله عليه وسلم، الوزير الأول له والساعد الأيمن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وربيعة بن كعب خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، انظر إلى الفارق بين الاثنين، ولكن سيدنا أبا بكر أحس أنه ارتكب جريمة ضخمة جدا لدرجة أنه يطلب من خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد الكلمة على وزير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى عليه ربيعة؛ لأنه تربى في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، رفض أن يسب، أو يشتم، أو يقول كلمة فيها نوع من الخطأ، أو نوع من التعدي على الصديق رضي الله عنه وأرضاه، فذهب أبو بكر يشتكي ربيعة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول له:
إن ربيعة لا يريد أن يرد الكلمة.
يطلب منه أن يأمر ربيعة أن يرد الكلمة كنوع من القصاص، لكن سبحان الله رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر ربيعة على رفضه، ألا يرد الكلمة على أبي بكر، وقال له:
قُلْ لَهْ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ.
فقال ربيعة: يغفر الله لك يا أبا بكر.
فولى أبو بكر يبكي، إحساسا أنه لم يكفر عن الذنب الذي عمله، حساسية مفرطة لأي ذنب مهما صغر.
روى مسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى خاتما من ذهب في يد رجل، فنزعه وفطرحه؛ لأن الذهب محرم على الرجال، وقال صلى الله عليه وسلم:
يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ.
فقيل للرجل بعد ما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم:
خذ خاتمك انتفع به.
فقال الرجل:
لا والله لا آخذه أبدا وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ليس بذنب كبير، ليس من الكبائر، والرجل قد يكون جاهلا بالموقف، والرجل قد يأخذه ليبيعه، أو يعطيه لزوجته، أو يدخره للزمن، ولكن إحساس الرجل بعظم الذنب جعله يزهد في الخاتم، وحجة الصحابة في هذا الإحساس المفرط بقضية الذنب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام أحمد رحمه الله عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أرضاه قال:
قال رسول اله صلى الله عليه وسلم:
إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ.
فالخوف من الذنب، وإن كان صغيرا من سمات توبة الصحابة رضوان الله عليهم.
**********
4اتباع السيئة بالأعمال الصالحة
السمة الرابعة من سمات توبة الصحابة، هي اتباع السيئة بعمل حسن بعدها، فيبطل أثر السيئة، إلى هذا المعنى أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح. عن أبي ذر رضي الله عنه وأرضاه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بَخُلُقٍ حَسَنٍ. هذه نصحية غالية من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي ذر، وإلى الأمة جميعا، وهذا المعنى كان واضحا جدا في حياة الصحابة، مجرد أن الإنسان يذنب يحاول أن يتبع الذنب بحسنة، حتى يعادل هذه السيئات التي تحملها بعد ارتكابه الذنب، انظر إلى الموقف الذي رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، قال:
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:
يا رسول الله، إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن أمسها.
وفي رواية:
أصبت منها قبلة.
يعني ارتكب معها شيئا، ولكن لا يستوجب حد الزنا، فهذا الرجل يشعر أنه فعل جريمة كبيرة جدا، فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:
فأنا هذا فاقض فيَّ ما شئت.
فقال عمر:
لقد سترك الله، لو سترت نفسك.
لكن الرجل من داخله يريد التوبة من الذنب.
فقال عبد الله بن مسعود راوي الحديث، فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم لأنه ينتظر الوحي لهذه النقطة، فقام الرجل، فانطلق، وهو يتألم من الذنب الذي فعله فأتبعه النبي صلى الله عليه وسلم رجلا دعاه، وقال له: ارجع ثانية. وقرأ عليه هذه الآية، سبحان الله نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية تحل موقف هذا الرجل، وموقف الذين يفعلون مثله، أي ذنب من الذنوب.
وقرأ عليه قوله تعالى في سورة هود:
[وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ] {هود:114} .
فقال رجل من القوم في رواية أنه معاذ بن جبل رضي الله عنه ورأضاه قال: يا نبي الله، هذا له خاصة.
قال: بل للناس كافة.
إلى كل من يخطئ أن يسرع فيفعل من المعروف ما يستطيع، يكفر به عن الذنب الذي فعله.
موقف كعب بن مالك:-
انظروا إلى موقف كعب بن مالك رضي الله عنه وأرضاه عندما تاب من أمر التخلف عن الجهاد في سبيل الله عز وجل، أمر ضخم جدا، لما نزلت التوبة، ومع أن التوبة مقبولة بصريح القرآن، إلا أن كعب بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، قال:
يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
سبحان الله علامة على صدق التوبة، يريد أن يتخلص من المال الذي أقعده كل المال، ولكن رسول الله قال له:
أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ.
فقال كعب: فإني أمسك سهمي الذي بخيمتي.
وتصدق بكل ماله، حتى يتخلص من ذنب واحد أحدثه.
وهذا أبو لبابة رضي الله عنه وأرضاه لكي يتوب أيضا من ذنبه الذي تحدثنا عنه في أول الفصل، قال:
يا رسول الله، إن من توبتي أن أهجر دار قومي.
وفي رواية:
الدار التي أصبت فيها الذنب، وأساكنك.
ويترك القبيلة التي كان يعيش فيها، وهي كانت بعيدة عن المدينة المنورة، ويأتي يعيش بجوار الرسول صلى الله عليه وسلم، وشيء آخر:
وإني أنخلع من مالي صدقة لله ولرسوله.
وسوف يتبرع بكل ماله في سبيل الله، وهذا هو الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الرحيم بأمته، والعارف باحتياجات الحياة، قال:
يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلُثُ.
أي قال له تبرع بثلث مالك، ودفع أبو لبابة ثلث ماله، حتى يكفر ذنبا من الذنوب، وهنا الرسول صلى الله عليه وسلم يقر مبدأ التصدق، وفعل الخير بصفه عامة لمحو السيئات.
وعمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه عندما وقف يجادل الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديبية، ونحن نعرف الجدال الطويل الذي دار بينه وبين الرسول في صلح الحدبية، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه:
ما زلت أصوم، وأتصدق، وأصلي، وأعتق من الذي صنعت مخافة الكلام الذي تكلمت به يومئذ، حتى رجوت أن يكون خيرا.
وفي رواية ابن عباس رضي الله عنهما، أن عمر بن الخطاب قال:
لقد أعتقت بسبب ذلك رقابا، وصمت دهرا.
فعل كثيرا من الطاعات حتى يكفر الذنب الذي فعله، فهذه كانت سمة هامة جدا لدى الصحابة، عندما تأتي بذنب، فلتبادر بالتصدق من مالك تحاول أن تعفو عن إنسان أساء إليك، تحاول أن تعمل نوعا من الخير بحيث أن الله سبحانه وتعالى يكفر عنك هذا الذنب.
*************
5- عدم القنوط من رحمة الله
الأمر الخامس والأخير في سمات التوبة عند الصحابة أنهم لم يكن عندهم قنوط أبدا، مهما عظم الذنب ليس هناك يأس من رحمة الله سبحانه وتعالى أبدا، حجتهم في ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام أحمد وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى تَبْلُغَ خَطَايَاكُمُ السَّمَاءَ، ثُمَّ تُبْتُمْ لَتَابَ عَلَيْكُمْ.
سبحان الله، وفي رواية:
حَتَّى تَمْلَأَ خَطَايَاكُمْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
ولم يذنب إنسان هذه الذنوب الكبيرة، والضخمة جدا، فكل الذنوب يتوب الله سبحانه وتعالى على الإنسان منها، ما دامت هناك توبة نصوح.
روى البخاري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال:
إن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا، وأكثروا، وزنوا، وأكثروا، فأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم وقالوا:
إن الذي تقول، وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة.
نحن فعلنا جرائم كثيرة جدا، هل ندخل في الإسلام والله يعفو عن كل هذا؟ فنزل قول الله عز وجل:
[وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا(68)يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا(69)إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمً] {الفرقان:68: 70} .
كل هذه السيئات السابقة تبدلت إلى حسنات، بمجرد التوبة، فيبدل الله سيئاتهم حسنات، وكان الله غفورا رحيما، وقال ابن عباس: ونزل أيضا قول الله تعالى:
[قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ] {الزُّمر:53} .
روى البزار والطبراني بإسناد جيد عن أبي طويل شطب الممدود رضي الله عنه وأرضاه من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال:
من عمل الذنوب كلها ولم يترك منها شيئا وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجة- والحاجة الأمر الصغير، والداجة الأمر الكبير- فهل لذلك من توبة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
فَهَلْ أَسْلَمْتَ؟
قال: أما أنا فأشهد ألا إلا الله وأنك رسول الله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
تَفْعَلُ الْخَيْرَاتِ، وَتَتْرُكَ السَّيِّئَاتِ، فَيَجْعَلُهُنَّ اللَّهُ لَكَ خَيْرَاتٍ كُلَّهُنَّ.
وتتحول الذنوب الصغيرة، والخطايا إلى حسنات، فقال الرجل مستعجبا ومستغفرا:
وزجراتي وفجراتي؟
كل الجرائم الضخمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
نَعَمْ.
قال الرجل:
الله، الله.
فما زال يكررها حتى توارى.
فالإنسان لا يقنط من رحمة الله عز وجل، جعل الله عز وجل التوبة لمن لا نتخيل أبدا أن تقبل توبتهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما:
دعا الله عز وجل إلى مغفرته من زعم أن المسيح هو الله، ومن زعم أن المسيح هو ابن الله، ومن زعم أن الله فقير، ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة، يقول الله عز وجل لهؤلاء:
[أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ] {المائدة:74} .
بعد كل هذه الجرائم الضخمة جدا يدعوهم الله عز وجل إلى التوبة، وإلى الاستغفار، دعا الله عز وجل كفار بدر إلى التوبة قال:
[قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ] {الأنفال:38} .
ودعا الله عز وجل إلى التوبة أصحاب الأخدود، تخيلوا بعد ما أحرقوا المؤمنين، فقد أحرقوا قرية بكاملها ليس لهم جريمة، إلا أن قالوا ربنا الله، قال سبحانه وتعالى:
[إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الحَرِيقِ] {البروج:10} .
سبحان الله! الله عز وجل دعا إلى التوبة فرعون بعد أن قال كلمته الفاجرة: أنا ربكم الأعلى، ما علمت لكم من إله غيري.
بعد هذه السلسلة الضخمة من قتل للأطفال، والاستحياء للنساء، بعد هذا، قال الله عز وجل في حقه:
[فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى] {طه:44} .
سبحان الله! إنه يأمرهم بالتودد إليه في الكلام؛ لأنه يريد أن يؤمن، ويرجع إليه سبحان وتعالى [وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمً] {النساء:27} .
فالصحابة ما كانوا يرون ذنبا مهما تعاظم أنه لا تصلح فيه توبة، فلا قنوط أبدا، ما دام في العبد نَفَسا يتردد، الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول:
إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبِدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ.
أطلقها صلى الله عليه وسلم: توبة العبد من أي ذنب، ما لم يغرغر، قبل لحظات الموت الأخيرة، أي وقت يتوب الله سبحانه وتعالى على عباده، إن أرادوا أن يتوبوا.
القول إن الصحابة كانوا بشرا يصيبون، ويخطئون، يحسنون، ويسيئون، يذنبون، ويتوبون إلى الله عز وجل، ولكن توبتهم كانت ذات طابع خاص جدا، كانوا يتوبون من قريب، لا يصرون على المعصية، لا يحبون أن يبيتوا على ذنب، وكانوا لا يبررون ذنبا، ولا يجادلون فيه، ولما نُصِحوا في الله قَبِلوا، بل أحبوا، وكيف لا، وقد أرشدهم إلى صلاح الدنيا والآخرة، وكانوا لا يستحقرون ذنبا، ولا يستصغرونه أبدا، يتوبون بسرعة من كل ذنب؛ لأنهم يقدرون الله عز وجل الذي أخطئوا في حقه، كانوا يُكَفّرون عن ذنوبهم بالأعمال الصالحة، يبذلون في سبيل ذلك الغالي، والثمين، صدقة، صيام، صلاة، وعتق الرقاب، ولو أنفق في ذلك ماله كله، فقد كان محو السيئات هدفا واضحا عندهم، وكانوا لا يقنطون أبدا من رحمة الله عز وجل، ولا ييأسون من عفو الله مطلقا، علموا أن لهم ربا، وأن هذا الرب يغفر الذنوب جميعا، إلا أن يشرك به، وأنه سحبانه وتعالى يفرح بتوبتهم، وأنه يناديهم، ويطلب منهم أن يسألوه، إله رحيم، غفور، ودود، سبقت رحمته غضبه، وفتح باب التوبة إلى أن تطلع الشمس من مغربها، رحمة كبيرة جدا، رحمته وسعت كل شيء.
هذا هو الإله الذي عبدوه، وهذا هو الإله الذي نعبده، ولا إله غيره، سبحان الله، التقينا يا إخواني في منظور الصحابة للذنب وللتوبة، ووصلنا إلى ما وصلوا إليه، وغفر لنا ما غفر لهم، وكنا معهم على طريق واحد، ليس في آخره إلا الجنة، نسأل الله عز وجل إقلاعا عن كل ذنب، وندما على كل خطيئة، وعزما على عدم العودة إلى ذنوبنا أبدا، ونسأل الله عز وجل مغفرة تامة لكل سيئاتنا، وأن يلحقنا بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام في جنات الخلد أجميعن.
**********
ختام :-
إن الله جل ثناؤه اصطفى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم على سائرأتباع الأنبياء عليهم السلام , ورضي عنهم ورضوا عنه وشهد لهم بالجنة , وليس بعد رضاه عنهم ووعده لهم بإثابتهم فضل وتعديل . قال تعالى في حقهم :{ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدّ لهم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم }
( التوبة : 100) , كذلك حكم الله عز وجل على السابقين منهم واللاحقين بالجنة فقال :{ ... أولئك أعظم درجةً من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير } ( الحديد : 10 ) . وغير ذلك من عشرات الايات اللاتي تعلن عن تفوقهم على مَن بعدهم , وتميزهم على أصحاب الأنبياء عليهم السلام . وما ذلك إلا لأنهم كما يقول ابن عمر رضي الله عنهما : " كانوا خير هذه الأمة وابرها قلوباً , وأعمقها علماً , وأقلّها تكلفاً , قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ونقل دينه , فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم , فهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم , كانوا على الهدى المستقيم والله ورب الكعبة " .
لقد كانوا للقرآن تالين , وعن الميل نائين , وعن الفحشاء ساهين , وبدين الله عارفين ومنه سبحانه خائفين , وبالنهار صائمين , ومن الدنيا سالمين , وعلى عدل البرية عازمين , وبالمعروف آمرين وإليه صائرين , وفي الأحوال كلها شاكرين , ولله في الغدو والرواح ذاكرين , ولأنفسهم بالصلاح قاهرين , فاقوا غيرهم ورعاً وكفافاً وزهداً وعفافاً وبراً وعبادة وهدى وكفاءة فلله درهم .
* وفي ثناء الله تعالى على صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته يقول الحق:-
{ محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أ ثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرعٍ أخرج شطئه فأزاره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ً وأجراً عظيما ً }
( الفتح : 29).
شرح الآية :-
يقول الله عز وجل ويؤكد أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو رسوله , وأن (الذين معه ) أي صحابته رضوان الله عليهم هم الأبرار الأخيار , غلاظ على الكفار متراحمون فيما بينهم كقوله تعالى { أذلةٍ على المؤمنين أعزة ٍ على الكافرين } .
قال أبو السعود : أي يظهرون لمن خالف دينهم الشدة والصلابة , ولمن وافقهم في الدين الرحمة والرأفة .
وقال المفسرون : وذلك لأن الله أمرهم بالغلظة عليهم { وليجدوا فيكم غلظة } وقد بلغ من تشديدهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيلبهم أن تمس أبدانهم , وكان الواحد منهم إذا رأى أخاه في الدين صافحه وعانقه .
{ تراهم ركعاً سجداً } أي تراهم أيها السامع راكعين ساجدين من كثرة صلاتهم وعبادتهم , رهبان بالليل أسود بالنهار { يبتغون فضلا من الله ورضواناً } أي يطلبون بعبادتهم رحمة الله ورضوانه .
قال بن كثير : وصفهم بكثرة الصلاة وهي خير الأعمال , ووصفهم بالإخلاص لله عز وجل والاحتساب عنده بجزيل الثواب , وهو الجنة المشتملة على فضل الله ورضاه .
{ سيماهم في وجوههم من أثر السجود } أي : علامتهم وسمتهم كائنة في جباههم من كثرة السجود والصلاة .
قال القرطبي : لاحت في وجوههم علامات التهجد بالليل وأمارات السهر .
وقال بن جريج : هو الوقار والبهاء .
وقال مجاهد : هو الخشوع والتواضع .
وقال منصور :سألت مجاهداً عن قوله تعالى :{ سيماهم في وجوههم } أهو أثر يكون بين عيني الرجل ؟ قال : لا , ربما يكون بين عيني الرجل مثر ركبة العنز وهو أقسى قلباً من الحجارة , ولكنه نور في وجوههم من الخشوع .
{ذلك مثلهم في التوراة } أي: ذلك وصفهم في التوراة : الشدة على الكفار , والرحمة بالمؤمنين , وكثرة الصلاة والسجود .{ ومثلهم في الإنجيل كزرعٍ أخرج شطئه } أي : ومثلهم في الإنجيل كزرعٍ أخرج فراخه وفروعه { فأزاره فاستغلظ } أي: فقوّاه حتى صار غليظاً { فاستوى على سوقه } أي: فقام الزرع واستقام على أصوله . { يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار } أي: يعجب هذا الزرع الزرّاع بقوّته وكثافته وحسن كمنظره ليغتاظ بهم الكفار .
قال الضحّاك : هذا مثل في غاية البيان (استعارة تمثيلية ) فالزرع محمد صلى الله عليه وسلم , والشطء أصحابه رضوان الله عليهم , كانوا قليلا فكثروا ثم يزدادون ويكثرون , وضعفاء فقووا .
وقال القرطبي : وهذا مثل ضربه الله عز وجل لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى أنهم كانوا قليلا ثم يزدادون ويكثرون فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حين بدأ الدعوة ضعيفاً , فأجابه الواحد بعد الواحد حتى قوى أمره , كالزرع يبدوا بعد البذر ضعيفاً فيقوى حالا بعد حال حتى يغلظ نباته وأفراخه , فكان هذا من أصح مثل وأقوى بيان .
{ وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما } أي : وعدهم تعالى في الآخرة بالمغفرة التامة والأجر العظيم والرزق الكريم في جنات النعيم , اللهم ارزقنا محبتهم يا رب العالمين . آميييييييييييييييييييييين .
**********
(2) التوبة في حياة أحد التابعين :-
توبة مالك بن دينار :-
يقول:
بدأت حياتي ضائعا سكيراً عاصيا .. أظلم الناس وآكل الحقوق . آكل الربا .. أضرب
الناس .. افعل المظالم .. لا توجد معصيه إلا وارتكبتها .. شديد الفجور ..
يتحاشاني الناس من معصيتي
يقول:
في يوم من الأيام .. اشتقت أن أتزوج ويكون عندي طفله .. فتزوجت وأنجبت طفله
سميتها فاطمة .. أحببتها حباً شديدا .. وكلما كبرت فاطمه زاد الايمان في قلبي
وقلت المعصيه في قلبي . ولربما رأتني فاطمة أمسك
كأسا من الخمر .. فاقتربت مني فازاحته وهي لم تكمل السنتين .. وكأن الله يجعلها
تفعل ذلك .. وكلما كبرت فاطمه كلما زاد الايمان في قلبي .. وكلما اقتربت من
الله خطوه .. وكلما ابتعدت شيئا فشيئاً عن المعاصي..
حتى اكتمل سن فاطمه 3 سنوات
فلما اكملت .. الــ 3 سنوات ماتت فاطمه
يقول:
فانقلبت أسوأ مما كنت .. ولم يكن عندي الصبر الذي عند المؤمنين ما يقويني على
البلاء .. فعدت أسوا مما كنت .. وتلاعب بي الشيطان .. حتى جاء يوما
فقال لي شيطاني:
لتسكرن اليوم سكرة ما سكرت مثلها من قبل!!
فعزمت أن أسكر وعزمت أن أشرب الخمر وظللت طوال الليل أشرب وأشرب وأشرب
فرأيتني تتقاذفني الاحلام .. حتى رأيت تلك الرؤيا
رأيتني يوم القيامه وقد أظلمت الشمس .. وتحولت البحار إلى نار.. وزلزلت الأرض .
واجتمع الناس إلى يوم القيامه .. والناس أفواج .. وأفواج .. وأنا بين الناس
وأسمع المنادي ينادي فلان ابن فلان .. هلم للعرض على الجبار
يقول:
فأرى فلان هذا وقد تحول وجهه إلى سواد شديد من شده الخوف
حتى سمعت المنادي ينادي باسمي .. هلم للعرض على الجبار
يقول:
فاختفى البشر من حولي (هذا في الرؤيه) وكأن لا أحد في أرض المحشر .. ثم رأيت
ثعبانا عظيماً شديداً قويا يجري نحوي فاتحا فمه. فجريت أنا من شده الخوف
فوجدت رجلاً عجوزاً ضعيفاًً ..
فقلت:
آه: أنقذني من هذا الثعبان
فقال لي .. يابني أنا ضعيف لا أستطيع ولكن إجر في هذه الناحيه لعلك تنجو ..
فجريت حيث أشار لي والثعبان خلفي ووجدت النار تلقاء وجهي .. فقلت: أاهرب من
الثعبان لأسقط في النار
فعدت مسرعا أجري والثعبان يقترب
فعدت للرجل الضعيف وقلت له: بالله عليك أنجدني أنقذني .. فبكى رأفة بحالي ..
وقال: أنا ضعيف كما ترى لا أستطيع فعل شيء ولكن إجر تجاه ذلك الجبل لعلك تنجو
فجريت للجبل والثعبان سيخطفني فرأيت على الجبل أطفالا صغاراً فسمعت الأطفال
كلهم يصرخون: يافاطمه أدركي أباك أدركي أباك
يقول:
فعلمت أنها ابنتي .. ويقول ففرحت أن لي ابنة ماتت وعمرها 3 سنوات
تنجدني من ذلك الموقف
فأخذتني بيدها اليمنى .. ودفعت الثعبان بيدها اليسرى وأنا كالميت من شده الخوف
ثم جلست في حجري كما كانت تجلس في الدنيا
وقالت لي ياأبت
ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله
يقول:
يابنيتي . أخبريني عن هذا الثعبان!!
قالت هذا عملك السئ أنت كبرته ونميته حتى كاد أن يأكلك .. أما عرفت يا أبي أن
الأعمال في الدنيا تعود مجسمة يوم القيامه..؟
يقول:وذلك الرجل الضعيف: قالت ذلك العمل الصالح .. أنت أضعفته وأوهنته حتى بكى
لحالك لا يستطيع أن يفعل لحالك شيئاً
ولولا انك انجبتني ولولا أني مت صغيره ماكان هناك شئ ينفعك
يقول:
فاستيقظت من نومي وأنا أصرخ: قد آن يارب.. قد آن يارب, نعم
ألم يان للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله
يقول:
واغتسلت وخرجت لصلاه الفجر أريد التوبه والعوده إلى الله
يقول:
دخلت المسجد فإذا بالامام يقرأ نفس الاية
{ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله}
ذلك هو مالك بن دينار من أئمه التابعين
هو الذي اشتهر عنه أنه كان يبكي طول الليل .. ويقول
إلهي أنت وحدك الذي يعلم ساكن الجنه من ساكن النار، فأي الرجلين أنا
اللهم اجعلني من سكان الجنه ولا تجعلني من سكان النار
وتاب مالك بن دينار واشتهر عنه أنه كان يقف كل يوم عند باب المسجد ينادي ويقول:
أيها العبد العاصي عد إلى مولاك .. أيها العبد الغافل عد إلى مولاك .
أيهاالعبد الهارب عد إلى مولاك .. مولاك يناديك بالليل والنهار يقول لك
من تقرب مني شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعاً،
ومن أتاني يمشي أتيته هرولة
أسألك تبارك وتعالى أن ترزقنا التوبه
{ لا إله إلا أنت سبحانك .. إني كنت من الظالمين}
***********
والآن وقد وقد وفقنا المولى عز وجل بفضله وعونه ورحمته التي وسعت كل شئ إلى التوبة , يتبقى لنا المحطة الأخيرة في رحلتها , وهي بدون شك إذا أهملناها صار كل ما فعلناه هباءً , وهي كيف يمكننا بعد أن نصل بإذن الله تعالى إلى التوبة , كيف نحافظ عليها ؟ ؟
* يمكننا المحافظة على توبتنا وصيانتها من خلال ثلاثة أمور( تدريجياً ) :-
أولا : الإكثار من الطاعات السهلة والمداومة عليها :-
لا شك أن الشباب يحب الله ورسوله ويحب التوبة ولكن كلّما أعلن أحدهم التوبة لله عز وجل عاد للمعصية ويرجع ذلك لعظم داعي الشهوة في نفسه وضعف داعي الإيمان في قلبه . جاءتني فكرة حل المشكلة من أن الإيمان يزيد وينقص , وأنه يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي .
الفكــــــــرة :-
أن يحرص الشباب على عمل الطاعات السهلة والإكثار منها ,كما يحرص على ترك المعاصي السهلة والبعد عنها , وأن يحاول في الصعب .
لو فعل الشباب هذه الخظوة لوجدوا أن طاعاتهم زادت ومعاصيهم قلت وبذلك يزيد الإيمان في قلوبهم , ولو زاد الإيمان في قلوبهم وكبر فلن تستطيع فـتن الشهوات أن تنال منهم وتأخذهم .
والطاعات السهلة كثيرة منها ذكر الله تعالى وطاعة الوالدين وصلة الرحم وحسن الخلق . لو حرص الشباب على ذكر الله تعالى مع كل نَفَس وطول الوقت سيجد إيمانه يكبر . ومنها أيضاً إن يصلي في المسجد ويأخذ سبعة وعشرون ضعف الأجر لو صلى في البيت وكذلك أجر المشي للمسجد , وإذا كان ممن يصلي في المسجد لكنه يأتي في الركعة الثانية , لو بكر قليلا ودخل المسجد مع الآذان لأدرك السنة القبلية والصف الأول وتكبيرة الإحرام , ولا يخفى ما في هذه الثلاثة من الثواب العظيم يحصل عليه بمجرد التبكير خمس دقائق فقط للمسجد .
وهكذا لو بحث الشباب عن الطاعات السهلة لوجد منها الكثير . كذلك المعاصي السهلة لو تركها الشباب لن يجد مشقة في تركها ولكن ذلك سيكون له تأثير كبير على إيمانه , ومن المعاصي السهلة الكذب , والغيبة , والسباب , وسوء الخلق , والنميمة ... وغيرها . كلّها كبائر يفعلها الشباب ببساطة ودون النّظر لأثرها الهدّام على الإيمان في قلوبهم .
كذلك يجب أن يحب الشباب ربهم ويعبدونه عبادة المحب فيذكرونه ويسبحونه ولو أنهم على المعصية لأن المحب لو أخطأ في حبيبه يعود إليه فوراً ويعتـذر ويبدي الأسف والندم على ما كان منه من إساءة , أما ما يفعله الشباب الآن فهي معاملة الشريك الذي إذا أخطأ يقول هذا ما عندي وأنا أحسن من غيري وقد قدمت لك كذا وكذا من الطاعات وفي هذا كفاية . سؤال .. هل التوبة صعبة !!
************
ثانيا ً : الحرص على أن تكون أيها التائب من ذوي القلوب الطاهرة :-
يقول ابن القيم : سأله شيخ الاسلام عن معنى دعاء النبى صلى الله عليه وسلم :
[ اللهم طهرنى من خطاياى والثلج والبرد ] . كيف يطهر الخطايا بذلك ؟ وما فائدة
التخصيص بذلك ؟ وقوله فى لفظ أخر والماء البارد )) والحار أبلغ فى الأنقاء ؟
فقال : الخطايا توجب للقلب حرارة ، ونجاسة وضعفاً فيرتخى القلب وتضرم فيه
نار الشهوة وتنجسة فإن الخطايا والذنوب له بمنزله الحطب الذى يمد النار
ويوقدها ولهذا كلما كثرت الخطايا أشتدت نار القلب وضعفة ، والماء يغسل الخبث
ويطفىء النار فإن كان بارداً أورثا الجسم صلابة وقوة ، فإن كان معه ثلج وبرد
كان أقوى فى التبريد وصلابة الجسم وشدته ، فكان أذهب لأثر الخطايا .
ففى ذلك أربعة أمور : أمران حسيان وأمران معنويان ، فإلنجاسة التى تزول بالماء
هى ومزيلها حسيان ، بينما أثر الخطايا التى تزول بالتوبة والأستغفار هى ومزيلها
معنويان ، وصلاح القلب وحياتة ونعيمة لا يتم إلا بهذا وهذا .
ماهية القلب الطاهر :-
هو قلب همه كله فى الله وحبه كله له ، وقصده له ، وبدنه له ، وأعماله ونومه له
ويقظته وحديثة والحديث عنه أشهى إليه من كل حديث ، وأفكارة تحوم على
مراضية ومحابة ن وقرة عينه به وطمأنينتة وسكونة إليه ، فهو كلما وجد من
نفسه التفاتا إلى غيره تلا على نفسه : [ يا أيتها النفس المطمئنة أرجعى إلى ربك
راضية مرضية ] فهو يردد عيها الخطاب بذلك ليسمعه من ربه يوم لقائه فينضبغ
القلب بين يدى الله ، فيأتى بالعبادة تودداً وتحبباً وتقرباً كما يأتى المحب المقيم فى
محبه محبوبة بخدمته وقضاء أشغالة ، فكلما عرض له من ربه أمر أو نهى أحس
من قلبه ناطقاً ينطق : [ لبيك وسعديك ، أنى سامع مطيع ممتثل ، ولك علىّ المنّهّ
فى ذلك ، والحمد فيه عائد إليك ] .
*خصائص القلب الطاهر :-
أولاً :- القلب الطاهر هو قلب أجرد فيه سراج يزهر :-
صح عن حذيفه رضى الله عنه أنه قال : (( القلوب الطاهرة أربعة : قلب أجرد فيه
سراج يزهر ، فذلك قلب المؤمن ........)). أغاثة اللهفان ( 1 / 12 )
ومعنى أجرد :- أى متجرد مما سوى الله ورسوله ، فقد تجرد وسلم مما سوى
الحق ، فيه سراج يزهر وهو مصباح الإيمان . فأشار بتجرده إلى سلامته من
شبهات الباطل وشهوات الغي ، وبحصول السراج فيه إلى إشراقة واستنارته .
وحياة القلب وإشراقه مادة كل خير فيه ، قال تعالى : [ أو من كان ميتاً فأحييناه
وجعلنا له نوراً يمشى به فى الناس كمن مثله فى الظلمات ليس بخارج منها
........] ( الأنعام : 122 ) فجمع بين الأصلين : الحياة والنور ، فبالحياة تكون
قوته ، وسمعة وبصرة وحياؤه وعفته وشجاعته وصبرة وسائر أخلاقة الفاضلة
ومحبته للحسن وبغضة للقبيح ، فكلما قويت حياته قويت فيه هذه الصفات ، وإذا
ضعفت حياتة ضعفت فيه هذه الصفات وحياؤه من القبائح هو بحسب حياته فى
نفسه .
فالقلب الصحيح الحىّ إذا عرضت عليه القبائح نفر منها بطبعه وأبغضها ، ولم
يلتفت اليها ، بخلاف القلب الميت ، فإنه لا يفرق بين الحسن والقبيح ، كما قال
عبدالله بن مسعود رضى الله
عنه :- (( هلك من لم يكن له قلب يعرف به المعروف وينكر به المنكر )) .
ولما كان فى القلب قوتان : قوة العلم والتمييز ، وقوة الإراداة والحب ، كان كماله
وصلاحه باستعمال هاتين القوتين فيما ينفعه ، ولا سعادة للقلب ولا صلاح ولا نعيم
إلا بأن يكون الله هو إلهه وغايه مطلوبة ، وأحب اليه من كل ما سواه .
ثانياً :- القلب الطاهر قلب امتحنه الله للتقوى :-
قال تعالى :- [ اولئك الذين أمتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم ]
( الحجرات : 3 )
قال الألوس فى روح المعانى : (( أمتحنها للتقوى ، أى جعلها خالصة لأجل التقوى
، أو أخلصها لها ، فلم يبق لغير التقوى فيها حق ، كأن القلوب خلصت ملكاً للتقوى )) .
ثالثاً :- القلب الطاهر هو قلب منيب :-
قال الله تعالى : [ من خشى الرحمن بالغيب رجاء بقلب منيب ] ( ق : 33 )
فالذنوب والمعاصى تفسد القلب ، وتضعف توحيده وكلما ازداد العاصى خبثاً أزداد
من الله بعداً ، ولهذا المسيح عليه السلام فيارواه عنه الإمام أحمد فى كتاب الزهد :
(( لا يكون البطالون حكماء ولا يلج الزناه ملكوت السماء )) .
رابعاً :- القلب الطاهر هو قلب سليم :-
قال تعالى مادحاً خليله : [ إذ جاء ربه بقلب سليم ] ( الصافات : 84 ) وقال تعالى
[ يوم لا ينفع مال ولا بنون . إلا من أتى الله بقلب سليم ] ( الشعراء : 88 / 89 ) .
فالقلب الطاهر (( سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه ، ومن كل شبهة تعارض
خبرة ، فسلم من عبودية ما سواه ، وسلم من تحكيم غير رسوله ، فسلم فى محبته
مع تحكيمة لرسوله ، فى خوفة ورضائة والتوكل عليه ، والإنابه إليه والذل له ،
وإيثار مرضاتة فى كل حال ، والتباعد من سخطه بكل طريق . هذا هو حقيقة
العبودية التى لا تصلح إلا لله وحده .
القلب السليم هو قلب مطمئن مخبت وجل ليّن :-
قال تعالى : [ الذين ء امنوا وتطمئن قلوبهم لذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب ] ( الرعد : 28 ) .
وقال تعالى : [ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم اياته
زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون ] ( الأنفال : 2 ) .
وقال تعالى : [ وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له
قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم ] ( الحج : 54 )
وقال تعالى : [ الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثانى تقشعر منه جلود الذين
يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدى به من
يشاء ومن يضلل الله فماله من هاد ] ( الزمر : 23 ) .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير )
( رواه أحمد ومسلم عن أبى هريرة ) . أى فى رقتها وتوكلها وخوفها .
وقال شيخ الإسلام أبن تيمية :- ( إن القلب الحى يكون صاحبه حى فيه حياء يمنعه
من القبائح ، فإن حياة القلب هى المانعة من القبائح التى تفسد القلب ) .
(( أمراض القلوب وشفاؤهاً لابن تيمية )) . ( ص : 14 )
******
ثالثاً : - اتباع منهج الاستقامة في الحياة :-
يقول المولى عز وجل في كتابه الكريم :{ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون } (فصّلت : 30) .
شرح الآية :-
يريد الله تعالى أن يقول : آمنوا بالله إيماناً صادقاً وأخلصوا العمل له , ثم استقاموا على توحيد الله وطاعته , وثبتوا على ذلك حتى الممات , عن عمر رضي الله عنه أنه قال على المنبر بعد أن تلا هذه الآية الكريمة :" هؤلاء استقاموا لله على الطريقة لطاعته , ثم لم يروغوا روغان الثعالب " والغرض : أنهم استقاموا على شريعة الله في سلوكهم وأخلاقهم وأفعالهم فكانوا مؤمنين حقاً , مسلمين صدقاً .
وقد سئل بعض العارفين عن تعريف الكرامة فقال : الاستقامة عين الكرامة , وعن الحسن أنه كان يقول : اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة . { تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا } أي : تتنزل عليهم ملائكة الرحمة عند الموت بأن لا تخافوا مما تقدمون عليه من أحوال القيامة , ولا تحزنوا على ما خلفتموه في الدنيا من أهل ٍ ومالٍ وولد ٍ فنحن نخلفكم فيه . { وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون } أي: وأبشروا بجنة الخلد التي وعدكم الله بها على لسان الرسل .
قال شيخ زاده : إن الملائكة تتنزل حين الاحتضار على المؤمنين بهذه البشارة أن لا تخافوا من هول الموت , ولا من هول القبر , وشدائد يوم القيامة , وإن المؤمن ينظر إلى حافظين قائمين على رأسه يقولان له : لا تخف اليوم ولا تحزن , وأبشر بالجنة التي كنت توعد وإنك سترى اليوم أموراً لم تر مثلها فلا تهولنك فإنما يراد بها غيرك .
إخواني في الله .. إن الله تعالى لم ينزل على نبيه الكريم صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه القرآن العظيم سدىً أو هباءً , وإنما لاشك أنه يحتوي على المنهج بل هو المنهج الذي لابد ان نتخذه ونسير عليه في حياتنا حتى نعيش عيشةً هنيئةً مطمئنة .. هذا المنهج يا إخواني يتضح لنا جليّاً في سورة من أعظم سور القرآن المكيّ وهي سورة
( العصر ) ... هيا بنا نتعرف على هذا المنهج ..
بَين يَدَيْ السُّورَة
* سورة الْعَصْر مكية، وقد جاءت في غاية الإِيجاز والبيان، لتوضيح سبب سعادة الإِنسان أو شقاوته، ونجاحه في هذه الحياة أو خسرانه ودماره.
* أقسم تعالى بالعصر وهو الزمان الذي ينتهي فيه عمر الإِنسان، وما فيه من أصناف العجائب، والعِبَر الدالة على قدرة الله وحكمته، على أن جنس الإِنسان في خسارة ونقصان، إلا من اتصف بالأوصاف الأربعة وهي {الإِيمان} و {العمل الصالح} و {التواصي بالحق} و {الاعتصام بالصبر} وهي أسس الفضيلة، وأساس الدين، لهذا قال الإِمام الشافعي رحمه الله: لو لم ينزل الله سوى هذه السورة لكفت الناس.
يقول الإمام الشعراوي رحمة الله عليه :-
"لفظ العصر" يمكن أخذه على أنه وقت العصر .. لماذا ؟
لأن وقت العصر هو وقت الحصيلة الزمنية لمجهودك اليومي .. فحينما يأتي وقت العصر , وتنفرد بنفسك لتحاسبها , وتتذكر ما عملته في يومك , فإذا لم تكن قد عملت عملا يقدمك إلى الخير – ولتنظر نفس ما قدمت لغد – تصبح نادماً على الأقل .. وإذا لم تندم وقتها ستندم وقت جني الحصاد.
إذن فالعصر من الممكن أن تأخذه على قطائفه الزمنية .. كأن الحق يقول : استقرئوا الوجود كلّه , وابحثوا في العصور الزمنية كلّها , فستجدون أنه لا ينجح الإنسان ولا يسلم من الخسر إلا إذا آمن وعمل صالحاً , وتواصى بالحق وتواصى بالصبر .. والزمن واقع وشاهد .
وحين نستقرئ الزمن في هذه نجد أن الذين لا يؤمنون بالله ولا يؤمنون بقضية الحق , ولا بقضية الخير , قد تزهو لهم الحياة فترة من الزمن , ولكنها لا تطول :{ فأما الزّبد فيذهب جفاء ً وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض } .
إذن (العصر) معناها : الدليل على صدق الرحمن في قوله :{ إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } .
يعني : استقرئ الزمن , فستجد كل عصر شاهداً على صدق هذه القضية .
********
منهج الاستقامة في الحياة :-
{وَالْعَصْرِ(1)إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3)}
{وَالْعَصْرِ* إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} أي أُقسمُ بالدهر والزمان لما فيه من أصناف الغرائب والعجائب، والعبر والعظات، على أن الإِنسان في خسران، لأنه يفضِّل العاجلة على الآجلة، وتغلب عليه الأهواء والشهوات قال ابن عباس: العصر هو الدهر أقسم تعالى به لاشتماله على أصناف العجائب وقال قتادة: العصرُ هو آخر ساعات النهار، أقسم به كما أقسم بالضحى لما فيهما من دلائل القدرة الباهرة، والعظة البالغة .. وإِنما أقسم تعالى بالزمان لأنه رأس عمر الإِنسان، فكل لحظةٍ تمضي فإِنها من عمرك ونقص من أجلك، كما قال القائل :
إِنــا لنفـرحُ بالأيـام نقطعــها وكلُّ يومٍ مضى نقصٌ من الأجل
قال القرطبي: أقسم الله عز وجل بالعصر - وهو الدهر - لما فيه من التنبيه بتصرف الأحوال وتبدلها، وما فيها من الدلالة على الصانع، وقيل: هو قسمٌ بصلاة العصر لأنها أفضل الصلوات {إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أي جمعوا بين الإِيمان وصالح الأعمال، فهؤلاء هم الفائزون لأنهم باعوا الخسيس بالنفيس، واستبدلوا الباقيات الصالحات عوضاً عن الشهوات العاجلات {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ} أي أوصى بعضهم بعضاً بالحق، وهو الخير كله، من الإِيمان، والتصديق، وعبادة الرحمن {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} أي وتواصوا بالصبر على الشدائد والمصائب، وعلى فعل الطاعات، وترك المحرمات .. حكم تعالى بالخسار على جميع الناس إِلا من أتى بهذه الأشياء الأربعة وهي: الإِيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، فإِن نجاة الإِنسان لا تكون إِلا إِذا كمَّل الإِنسان نفسه بالإِيمان والعمل الصالح، وكمَّل غيره بالنصح والإِرشاد، فيكون قد جمع بين حق الله، وحق العباد، وهذا هو السرُّ في تخصيص هذه الأمور الأربعة.
* حتى المنحرفون يقدسون الاستقامة :-
يقول الإمام الشعراوي رحمة الله عليه :-
أن القيمة العليا تظل حافظة لمنزلتها حتى بين المنحرفين وأصحاب السلوك السيئ وآية ذلك في القرآن تتمثل في لقطة بسيطة من سورة "يوسف" .. فيوسف عليه السلام دخل السجن , ودخل معه السجن فتيان
والله تعالى يقول عنهما :{ .. وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه نبإنا بتأويله إنـّا نراك من المحسنين } يوسف :36
فإذا كان هذان الفتيان يريان يوسف عليه السلام من المحسنين .. فبأيّ ميزان من موازين الإحسان عرفا منزلة يوسف هذه وهما سجينان , وسجينان على مخالفة .. وهما اقتنعا بأن طلبهما عند يوسف , ولماذا ؟
لأنهما رأياه من المحسنين .. إذاً فهما قد نظرا إلى سلوكه , وإلى سماته , وإلى كل تصرفاته , , فراقتهما هذه التصرفات وأعجبهما ذلك السلوك ..ولو لم يكن عندهما مقياس للإحسان لما استطاعا أن يقيّما فعل يوسف ,حتى يقولا فيه : إنّـه من المحسنين .
إذاً فهما رغم انحرافهما يعلمان الإحسان , ويعلمان القيم التي تقيم الإحسان .. وحينما اضطرتهم ظروفهم الخاصة إلى أن يلجأ إلى الإحسان , لأنهما لا يغشّان نفسهما في أمور تتعلق بهما ذهبا صاغرين إلى يوسف وقالا :{ نبّئنا بتأويله } وحينئذٍ الطلب { إنّـا نراك من المحسنين }
إذاً فالقيم هي القيم حتى عند المنحرف . ولكن الذي يسهل على المنحرف الخروج من القيم هي الشهوات العاجلة , والنفعيّات الطارئة , ودون نظر إلى خير يراه صاحب الشّهوة خيراً يعقبه شر . وقديماً قالوا :-
لا خير في خير ٍ بعده النار , ولا شر في شر ٍ بعده الجنة , ولا خير في لذة يعقبها الـندم .
هذا إذا نظرنا إلى حال المنحرفين الذين يقدسون الاستقامة ,فما بالنا نحن المسلمون العاديون !!
*******
*أقوال الشعراء في التوبة :-
يا نفس توبي فإن الموت قد حانا ** واعصي الهوى فالهوى ما زال فتانا
أما ترين المنايا كيف تلقطنا ** لقطاً وتلحق أخرانا بأولانا
في كل يومٍ لنا ميت نشيعه ** نرى بمصرعه آثار موتانا
يانفس مالي وللأموال أتركها ** خلفي وأخرج من دنياي عريانا
أبعد خمسين قد قضيتها لعباً ** قد آن أن تقصري قد آن قد آنا
ما بالنا نتعامى عن مصائرنا ** ننسى بغفلتنا من ليس نسيانا
نزداد حرصاً وهذا الدهر يزجرنا ** وكان زاجرنا بالحرص أغرانا
أين الملوك وأبناء الملوك ** من كانت تخر له الأذقان اذعانا
صاحت بهم حادثات الدهر فانقلبوا ** مستبدلين من الأوطان أوطانا
خلوا مدائن كان من العز مفرشها ** واستفرشوا حفراً غبراً وقيعانا
يا راكضاً في ميادين الهوى مرحاً ** ورافلا في ثياب الغي نشوانا
مضى الزمان وولى العمر ** يكفيك ما قد مضى قد كان ما كانا
وفي نهاية ورقتي هذه لا أجد في ذهني حاضراً الآن غير قول الله تعالى :
بسم الله الرحمن الرحيم
{ لا يكلف الله تفساً إلا وسعها لها ماكسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لاتؤاخذنا إن نسينا أو أخطئنا ربنا ولا تحمل علينا إصّراً كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين } صدق الله العظيم
(البقرة : آخر آية ).

 

الموضوع الأصلي : توبه نصوحه !!!!     -||-     المصدر : منتديات الهجال الرسمية     -||-     الكاتب : ياسر الحصيني

j,fi kw,pi !!!!

 

التعديل الأخير تم بواسطة ماجد بن شاكي ; 11-05-2011 الساعة 11:36 AM.
ياسر الحصيني غير متواجد حالياً  
قديم 11-04-2011, 12:25 PM   رقم المشاركة : [2]
موقوف
الصورة الرمزية وردة الهجال
 
الملف الشخصى:
رقم العضوية : 2529
تاريخ التسجيل : Jul 2011
الدولة : ههههههه في منتدى الهجال
عدد النقاط : 55
قوة الترشيح : وردة الهجال will become famous soon enough
الاحصائيات:
عدد المشاركات : 283
الحالة : وردة الهجال غير متواجد حالياً

                مجموع الاوسمة:

 

افتراضي

اخووووي في الله طرحك جميل
ويعطيك العافيه

 
وردة الهجال غير متواجد حالياً  
قديم 11-05-2011, 01:34 PM   رقم المشاركة : [3]
في خدمة القبيلة
الصورة الرمزية ألف معنى
 
الملف الشخصى:
رقم العضوية : 40
تاريخ التسجيل : Dec 2008
الدولة : في مكان ما
عدد النقاط : 95
قوة الترشيح : ألف معنى will become famous soon enough
الاحصائيات:
عدد المشاركات : 14,418
الحالة : ألف معنى متواجد حالياً

                مجموع الاوسمة:

 

افتراضي

لاهنت يالحصيني

توقيع :

اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذُ بِكَ أنْ أَضِلَّ أو أُضَلَّ ، أَوْ أَزِلَّ أوْ أُزلَّ ، أوْ أظلِمَ أوْ أُظلَم ، أوْ أَجْهَلَ أو يُجهَلَ عَلَيَّ


 
ألف معنى متواجد حالياً  
قديم 11-05-2011, 02:58 PM   رقم المشاركة : [4]
عضو ماسي
الصورة الرمزية همس الحنين
 
الملف الشخصى:
رقم العضوية : 2766
تاريخ التسجيل : Oct 2011
الدولة : في قلب زوجيـ..~
عدد النقاط : 114
قوة الترشيح : همس الحنين will become famous soon enoughهمس الحنين will become famous soon enough
الاحصائيات:
عدد المشاركات : 1,618
الحالة : همس الحنين غير متواجد حالياً

                مجموع الاوسمة:

 

افتراضي

جزاك ربي الجنهـ...طرح مميز...

توقيع :





يَ رب آسألكـَ آلنسيــاَن لتصرفات أشخاَص أوجعت قلبي بقدر عشقي لهمُم
 
همس الحنين غير متواجد حالياً  
قديم 11-06-2011, 11:55 AM   رقم المشاركة : [5]
الصورة الرمزية ماجد بن شاكي
 
الملف الشخصى:
رقم العضوية : 39
تاريخ التسجيل : Dec 2008
الدولة : منتدى الهجال ...
عدد النقاط : 74
قوة الترشيح : ماجد بن شاكي will become famous soon enough
الاحصائيات:
عدد المشاركات : 8,521
الحالة : ماجد بن شاكي غير متواجد حالياً

                مجموع الاوسمة:

 

افتراضي

بارك الله فيك ياياسر ...

توقيع :
 
ماجد بن شاكي غير متواجد حالياً  

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:01 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
منتدى الهجال

a.d - i.s.s.w

logo